ومن هنا فقد أفتى بعض فقهاء العصر بحرمة الإنتماء إسترسالًا للأحزاب ، حتى ولو كانت إسلامية ، لأنها نوع من الاتباع الذي سبقت حرمته إسترسالًا ومن دون تمحيص إلّا لمن أمر الله باتباعه .
والانتماء الصحيح يتمثل في اتباع النبي إبراهيم عليه السلام ، والتشيع الحق للنبي محمد وأهل بيته عليه وعليهم السلام . فمن أحسّ عقله بهذا النوع من الإنتماء ، إستغنى به عن سائر الانتماءات ، أو لا أقل جعلها في إطار هذا الإنتماء . وقد سبق قول الله عن لسان النبي إبراهيم عليه السلام : ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) ( إبراهيم / 36 ) . وجاء في الأحاديث التالية تأكيد على هذه الحقيقة .
1 / روي عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفر ( الإمام محمد الباقر ) عليه السلام ، أنه قال : من أحبنا فهو منا أهل البيت . قلت : جعلت فداك ؛ منكم ؟ ! قال : منا والله . أما سمعت قول إبراهيم عليه السلام : ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) . « 1 »
2 / وروي عن أبي عبد الله ( الإمام جعفر بن محمد الصادق ) عليه السلام ، أنه قال : من تولى آل محمد وقدمهم على جميع الناس بما قدمهم من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فهو من آل محمد بمنزلة آل محمد . لا إنه من القوم بأعيانهم ، وإنما هو منهم بتوليه إليهم ، واتباعه إياهم . وكذلك حكم الله في كتابه ( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) ، وقول إبراهيم ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) . « 2 »
رابعاً : معالم الإنتماء
ولكي يتم الإنتماء إلى خط الأنبياء والأئمة الهداة ، لا بد أن نتعرف عليهم وعلى سيرتهم وسنتهم ، ونتبعها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا ، وندافع عنهم في السر والعلن . . في الرخاء والشدة ، وأن نتحسس بالانتماء إلى أوليائهم أنى كانوا ، ونتعاون معهم على البرّ والتقوى ، ونشكل معهم ذلك الحزب القائم على أساس التقوى لا الحمية ؛ على أساس القيم لا القوم والوطن ؛ على أساس الحق والهدى لا المصالح والأهواء . والله المستعان .
إن غريزة الانسان تدعوه إلى حب الراحة ، والراحة الفكرية أعظم ما تتمناه النفس البشرية . ومن هنا فالبشر يستريح إلى الاتباع ، لا الإبداع . فليكن - إذاً - اتباعه إتباعاً سليماً وفق المعايير التي ذكرت بها الآيات والأحاديث ، ليس فقط في الشؤون الدينية ، بل وحتى في قضايا الحياة .
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 548 ، رواية رقم 102 .
( 2 ) المصدر ، رواية رقم 104 .