بقية الله
من الناس من يصاب في بصيرته ، فلا يرى إلّا قدام رجليه ؛ ومنهم من ينفذ ببصيرته في عمق الزمن ، حتى يرمي ببصره إلى أقصى مراحل حياته في الآخرة .
إن من كرامة الانسان تساميه عن لحظته الراهنة ، واستشرافه الأفق الأقصى ، كما إن من كرامته بلوغ بقية الله التي هي هدف المؤمن ، لماذا ؟
أولًا : لأنها خير عظيم ، بينما اللذات العاجلة تنطوي عادة - على شر مستطير .
ثانياً : لأنها باقية ، بينما الشهوات فانية .
ثالثاً : لأن ثوابها ليس مادياً فحسب ، بل هو ثواب معنوي أيضاً .
1 / أهل مدين كانوا يطففون في المكيال والميزان ، ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض ، فنهاهم النبي شعيب عليه السلام عن كل ذلك وذكرهم بأن بقية الله خير لهم . قال الله سبحانه : ( بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) ( هود / 86 )
فما هي بقية الله ؟ هي الربح الذي يبقى بعد صفقة عادلة . فان في ذلك الربح بركة الله ، لأنه ساهم في دورة اقتصادية سليمة .
أم هي كل خير يتوفر لهم إذا هم عملوا بوصايا النبي شعيب ، والتي تلخصت في نهيه عن الفساد ؟
أم هي أبعد من هذا وذاك ، وهي ذات الرسالة التي هبطت عليهم ، وهذا الرسول الذي حملها ، فإذا هم استمعوا إليه وأطاعوه فإنه عليه السلام خير لهم ؟
بلى ؛ هذا المعنى الشامل أقرب إلى لغة الذكر ، التي تضرب الأمثال ببعض الحقائق المفصلّة ، ثم تبين الكلمة الشاملة لها ولغيرها .
وهذا ما يشير إليه تأويل هذه الآية بالإمام الحجة المنتظر عليه السلام ، حيث جاء في الحديث :