الثاني : فمن عرف حِكمَ الأمن والحرية والعدالة ، فإذا أضرّ عملٌ بأمن الناس ، أو سَلَبَهُمْ حريتهم أو كان فيه ظلمٌظاهرٌ أو خفيّ فإنه يصبح حراماً كما أنه لو توقف تحقيق هذه الحِكم على عمل معين أضحى واجباً .
وبالرغم من أن الشريعة قد أوضحت الأحكام الفرعية التي تحقِّق هذه الحِكَم بصورةٍ كافيةٍ ، إلا أن تلك الأحكامالفرعية تتصل بالثوابت ، وهي بحاجة إلى الاستنباط .
الشرع يكمل العقل
أليس أصل الإنسان عقله ، أَوَلَسْنا نهتدي إلى آيات ربنا بنور العقل ، ونعرف رسله ورسالاته به ، فلماذا الوحي ؟ وما هي ضرورته ؟
لقد أودع اللَّه في البشر نور العقل ولكنَّ الإنسان غفل عنه وخاض في غمرات الشهوة والغضب ، وضلّ عن ربِّهضلالًا بعيداً . لذلك لم يؤدِّ إلى ربّه ميثاقه ، ولم ينتفع بفطرته التي فطره اللَّه عليها ، ولم يهتد بضياء عقله في دروب الحياةالحالكة . . ألست ترى في العالم هذا الظلم الفاحش والجهل المطبق والضلال المبين ؟ مَنْ منّا لا يعترف أنّ نسبة الجهلوالجهالة والضلالة والغواية في البشرية تفوق نسبة العلم والحكمة ؟
إن جذر ضلالة الإنسان وغوايته ، يكون بثلاثة عوامل :
1 - غفلته عن عقله ، أو سبات عقله ، وعلاجُه إيقاظُ العقل .
2 - غلبة الهوى واتباعه ، وعلاجُه تنمية الإرادة ، وزيادة الإيمان .
3 - الضلال عن سُبُل الانتفاع بالعقل ، وعلاجُهُ التذكرةُ بالمناهج القويمة للتفكر .
الأحكام العقلية
يستخدم علماء الأصول كلمة ( القطع ) في موضع الحديث عن العلم والمعرفة واليقين ، وهذه الكلمة ذاتإيحاء فلسفيّ باعتبار تواصل علم الأصول والفلسفة في العصور المتأخرة .
وهذه الكلمة غريبة عن الأدب القرآني ، ولكنها مناسبة للمنهج الفلسفي القائم على أساس الجدال وإسكات الخصموقطع الحديث وحسمه معه .