عيوبهم . والتجسس هو البحث عن عورات الناس بمتابعتهم وكشف أستارهم . وروي عن أبي بردة ، أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بنا ثم انصرف مسرعاً حتى وضع يده على باب المسجد ، ثم نادى بأعلى صوته : يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الايمان إلى قلبه ؛ لا تتبعوا عورات المؤمنين ، فإنّه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته فضحه ، ولو في جوف بيته . « 1 »
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : إذا رأيتم العبد متفقداً لذنوب الناس ناسياً لذنوبه ، فاعلموا أنه قد مكر به . « 2 »
وهكذا يريد الدين لنا حياة آمنة ، لا تطالها أعين الفضول ، ولا تهتك حرمتها متابعات الطفيليين . . يتحسس كل فرد فيها ببرد الأمنة وسكينة الثقة .
وكما تحرم الآية التجسس الفردي ، تحرم تجسس الدولة على رعاياها ، إلّا إذا اقتضت مصلحة الأمة ، فلابد أن يخضع ذلك للقضاء القائم على أساس أحكام الشريعة .
وقد فهم المسلمون السابقون هذه الشمولية من الآية الكريمة ، حسب ما نجده في القصة التاريخية التي حدثت في عهد الخليفة الثاني الذي خرج وعبد الرحمن يعسان ، إذ تبينت لهما دار فاستأذنا ففتح الباب ، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح . فقال عمر : وأنت بهذا يا فلان ؟ ! فقال : وأنت بهذا يا أمير المؤمنين ؟ ! فقال عمر : فمن هذه منك ؟ قال : امرأتي . قال : فما هذا القدح ؟ قال : ماء زلال . فقال للمرأة وما الذي تغنّين ؟ فقالت :
تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرّقني إلّا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه * لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولكن عقلي والحياء يكفني * وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ثم قال الرجل : ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين . قال الله تعالى : ولا تجسسوا . قال صدقت . « 3 »
هامش
( 1 ) بحار الأنوار / ج 75 / ص 215 .
( 2 ) المصدر .
( 3 ) القرطبي / ج 16 / ص 334 .