قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( البقرة / 286 )
ان الجهاد مواجهة وصراع مع طرف ، ولا ريب ان كل من يدخل الصراع يبذل قصارى جهده ليكسب الجولة . فعلى المؤمن ان يبذل - هو الآخر - قصارى الجهد في ذلك . وقد جاء في تفسير الآية 78 من سورة الحج ما يلي :
أكثر المفسرين حملوا الجهاد هاهنا على جميع أعمال الطاعة ، وقالوا : حق الجهاد ان يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى . وقال السري : هو ان يطاع فلا يعصى . وقال الضحاك : معناه جاهدوا بالسيف من كفر بالله ، وان كانوا الاباء والأبناء . وروي عن عبد الله بن المبارك ، أنه قال : هو مجاهدة الهوى والنفس . « 1 »
والواقع ؛ إن كل هذه المعاني يمكن ان تشملها الآية ، لان الجهاد الحق الذي يليق بمقام العبد العارف بربه لا يكون محدوداً بحدود خاصة .
وهذا يعني ؛ ان المؤمن يتفجر نشاطاً وعنفواناً في كل بعد ، وعلى امتداد حياته المباركة .
باء : القرآن كتاب جهاد ، لأنه منهج شامل للحياة ، وهو يفيض قوة وحكمة وتحدياً للمناهج الجاهلية . وحينما يحمل المؤمنون القرآن يجاهدون به الأعداء جهاداً كبيراً وشاملًا ؛ جهاداً بالكلمة الطيبة ، وبالكلمة الصاعقة ، وبالعمل الدائب ، وبالاعداد الشامل ، وبالصراع المسلح . . إنه جهاد كبير .
ونستوحي من هذه البصيرة ما يلي :
أولًا : ضرورة شمولية الرؤية عند المجاهد ، فلا يرى جانباً دون آخر من آفاق الصراع ، فالصراع الثقافي والاعلامي ، إلى جنب الكفاح السياسي والاجتماعي ، إلى جنب النضال المسلح بكل أبعاده . . كل ذلك يجب ان يكون ضمن خطط المجاهد .
ثانياً : ضرورة الاهتداء بالوحي ، واستنطاق آيات الذكر في كل أبعاد الصراع ، حتى لا يفسق المجاهد عن حدود الدين ، ولا يشط عن سبيل الهدى .
ثالثاً : لان أبعاد الجهاد مختلفة ، فان المؤمن يجاهد بكل ما أوتي من طاقة ؛ جهاداً بالتفكر
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان / ج 7 / ص 97 .