فيها تقوى الله ، وحشوها الايمان " ( وحشوها : اي مع ما يحشى فيها وتملأ منها ، والشراع ككتاب : الملاءة الواسعة فوق خشبة تصفقها الريح فتمضي بالسفينة ، والقيم : مدبر امر السفينة . " آت " ) . وشراعها التوكل وقيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر .
يا هشام إن لكل شيء دليلًا ودليل العقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت ، ولكل شيء مطية ومطية العقل التواضع ( المطية : الناقة التي يركب مطاها اي ظهرها ، ومطية العقل التواضع اي التذلل والانقياد ) ، وكفى بك جهلا ان تركب ما نهيت عنه .
يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا ، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .
يا هشام إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأما الباطنة فالعقول .
يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره .
يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول امله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ( والسبب في ذلك ان بطول الامل يقبل إلى الدنيا ولذاتها فيشغل عن التفكر ، أو يجعل مقتضى طول الامل ماحيا لمقتضى فكره الصائب ، والطريف : الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة ، ومحو الطرائف بالفضول اما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول ، اولانه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته اولانه إذا اشتغل به محى الله عن قلبه الحكمة " آت " ) وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله ، أفسد عليه دينه ودنياه .
يا هشام كيف يزكو ( الزكاة تكون بمعنى النمو ، وبمعنى الطهارة وهنا يحتملها " آت " ) ، عند الله عملك ، وأنت قد شغلت قلبك عن امر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك .
يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله ( اي : حصل له معرفة ذاته وصفاته واحكامه وشرائعه أو أعطاه الله العقل أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن يأخذه عن أنبيائه وحججه عليهم السلام اما بلا واسطة أو بواسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 345
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٥