وهذا التبرير - حتى لو كان مقنعاً - يجعل الانسان يفضل مصالحه الذاتية على مصالح الآخرين . ويرى ان وجوده هو الأولى ، فيصبح التناقض والصراع سمة العالم بينما الاخلاق بحاجة إلى قوة كبيرة لتبريرها .
وقد سعى الأنبياء والأوصياء - عليهم السلام - من اجل تطهير النفس البشرية من الأنانية ، ودفعها إلى مستوى العيش مع الآخرين .
وكانت نتيجة ذلك كله ان تربّت البشرية على قيم الخير ( وتحولت إلى أعراف وقواعد قانونية ومناهج - تربوية ) .
ولكن الفكر المادي جاء يوجه تيار الثقافة إلى الجهة المعاكسة تماماً ، فهل لأنهم بعد ان اشبعوا بتلك القيم لم يحسون بالحاجة إلى الدين كرّسها في نفوسهم ( كما يزعم البعض ) « 1 » .
أو لأن امكانات العلم والتقنية الحديثة أطلقت شهوات البشر من عقالها الديني وجاء الفلاسفة يبرورن ذلك الانفلات ( لأنهم كانوا عادة يمثلون روح مجتمعاتهم والوجهة العامة فيها ) .
أو لأن الصراع بين الدين والعلم الذي سببه جمود الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر انعكس على التيار العام لفلاسفة بحيث لم يعد الفيلسوف حكيماً الا إذا تجرد عن الدين ( كما كان الامر يعكس ذلك في القرون الوسطى تماماً ) .
وانّى كان السبب فإن فلاسفة القرنين الأخرين - ساروا في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الأنبياء - عليهم السلام - .
وكانت النتيجة انهم حبّذوا الكفر على الايمان ، كيف ؟
جوهر الكفر هو انكار الشيء بما له من ابعاد وظلال وحقوق بينما الايمان اعتراف به . واتجاه العلم الذي يجعل القيمة ذات الانسان يكفر - في البدأ لا أقل - لكل شيء وراء الذات .
وفي الواقع انما ينكر الانسان شيئاً لكي ينكر حقه عليه ويتخلّص - بالتالي - من أي التزام نحوه والفكر المادي سابقاً كان ينكر وجود الشيء لكي لا يلتزم تجاهه بحق . لان
هامش
( 1 ) - يراجع فلسفة الاخلاق في الفصول الأخيرة . .