تنطلق في رحاب الحقيقة ، حتى يظنّ البعض أنّهم ملهمون - وليسوا بملهمين - ولكنهم يجوبون آفاق الحقائق بلا قيود .
ولهذا فإنّ تحديد العقل بأنه يدرك الكليات ، ولا شأن له بالأمور الجزئية ، أو أنه لا يدرك شيئاً إلّا من خلال مناهج خاصة ، هو نوع من خسارة لموهبة العقل . .
إنّك تبصر بعينك الجبل الأشم ، كما تبصر سمّ الخياط ، وتضئ أشعة الشمس صحراء واسعة ، كما تضيء كوخاً صغيراً ! وتفقه بعقلك قبح الظلم ، وحسن الإحسان ، كما تفقه كيفية فتح باب مغلق .
العقل موهبة عظيمة ، وغفلة الإنسان عنها هي المسؤولة عن ضلاله وجهله ، كما لو سدّ الإنسان نافذته عن الشمس ، أو سد عينه ، أفيرى شيئاً ؟ !
وهكذا تكون الثقة بالعقل مفتاح المعارف ، لأنّ مَنْ يشكّ في عقله يغفل عنه ، ويهمل الانتفاع به .
والثقة بالعقل ، تعني اكتشاف الإنسان لذاته ، لأنّ عقل الإنسان أعظم ما فيه ، وهو يرفد كل كمال وجمال ! .
والمنهج السليم لإعادة الثقة بالعقل بعد التذكرة به ، التعرُّف على الحقائق التي لا تحصى التي تعرَّفنا عليها بالعقل ، وقياس أنفسنا بمن لا عقل له ، وقياس ذوي العقول بغيرهم أليس من يعيش في صحراء مضاءة بنور الشمس لا ظل فيها ولا ظلام ، قد يغفل عن مصدر النور ، ويظن أن النور حالة طبيعية في ذرات التراب ، فإذا غابت الشمس هنالك يعرف قيمة الشمس . .
وحين نتدبَّر في القرآن والسنَّة نجد أنّ هذا هو المنهج الذي اتّبع فيهما ، سواءً في التذكرة بالعقل أو بتنمية ثقة الإنسان به .
والعقل هو ذلك النور الذي نُميَّز به الخير عن الشر ، والحسن عن القبيح ، وحينما ينحسر عنا عند الغضب والشهوة العارمَيْن ، نرتكب القبائح ثم نلوم أنفسنا عندما يعود ، هو الذي نفقده عند الصغار والمجانين والحمقى فنرى فيهم نقصاً كبيراً ، وهو الذي يحاسب الناس بعضهم بعضاً على أساسه ويحمَّلونهم به مسؤولية أفعالهم ، وهكذا يصف الإسلام العقل بصفاته التي تتجلَّى في العقلاء .
والوحي إثارة للعقل وتذكرة به ، وقد خلقه الله من نورٍ مخزونٍ مكنونٍ عنده فأكرمه
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 12
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢