المحلل صار أقوى فصار التحليل أكثر أو لان الغاذية صارت أضعف فصار الغذاء الوارد
أقل والأول باطل لان المحلل ليس الا الأمور الثلاثة المذكورة وهي الحار الداخلي
والحار الخارجي والحركات البدنية والنفسانية وهذه الأسباب الثلاثة كان وجودها
في زمان الشباب مثل وجودها في زمان الكهولة وإذا لم يزدد المحلل استحال ان يزداد
التحلل والثاني أيضا باطل لان الغاذية لا تصير ضعيفه الا لنقصان الحرارة ولا ينتقص
الحرارة الا لنقصان الرطوبة فإذا جعلنا ( 1 ) انتقاص الرطوبة بسبب ضعف الغاذية
لزم الدور وهو محال .
وما قيل من أن المحلل وإن كان وقت الكهولة هي الأمور الثلاثة التي كانت موجودة في
زمان الشباب ولكن مده تأثيرها في زمان الكهولة أطول من مده تأثيرها في زمان
الشباب وذلك لان الضعيف قد يكون أقوى اثرا من القوى إذا كان أطول مده من
الاخر وإذا كان كذلك فأسباب التجفيف تأثيرها في الكهل أدوم من تأثيرها في الشباب
فالجفاف فيه أكثر منه في الشباب .
فكلام لا حاصل له ( 2 ) لان دوام العمل كما هو حاصل في سبب الجفاف كذلك
هامش
( 1 ) لا يخفى ان الكلام في انتقاص الرطوبة الواردة وما هو سبب ضعف الغاذية
نقصان الرطوبة الغريزية التي هي قابله الحرارة الغريزية فلا دور .
فان قيل انتقاص الواردة سبب انتقاص الغريزية وانتقاصها سبب ضعف الغاذية
وسبب السبب سبب .
قلنا ليس كذلك بل تنقص الغريزية بسبب فاعلها فان علة زوال الشئ أو نقصه عدم
علة وجوده أو كماله أو ينقص بسبب آخر كاشتداد الحرارة مثلا على أن كل شيئين لأحدهما
تعلق بالآخر ولا سيما تعلق الحلول فزوال أحدهما أو ضعفه منشأ زوال الاخر أو ضعفه ولكن
من جهتين لئلا يدور كما أن زوال المادة منشأ زوال تشخص الصورة وزوال الصورة منشأ
زوال وجود المادة وفي الضعف في فاعليه الصورة الحافظة لتركيب المادة المحفوظة
كما فيما نحن فيه ضعف الصورة منشأ ضعف انحفاظ المادة وضعف انحفاظ المادة منشأ
ضعف فاعليه الصورة ولكن درجه أخرى من الضعف غير الأول وهي منشأ ضعف آخر
في انحفاظ المادة وهكذا حتى يؤدى إلى الزوال والانحلال س ره .
( 2 ) فيه ان طول المدة في ايراد الغاذية الغذاء لا يجدى نفعا لان القوة الطبيعية
فعلها على وتيرة واحده والأسباب الاتفاقية لا انضمام لها فنختار ان المحلل صار أقوى
بانضمام سوء التدبير في الغذاء والهواء وغيرهما من الأسباب الستة الضرورية فان الانسان
وإن كان مدبرا حكيما طبيبا مراقبا حسن التدبير باذلا جهده فيه مستفرغا وسعه له لا يحيط
علما بالأسباب القدرية ولا يمكنه دفع سهام الحوادث عن نفسه .
فان قلت سوء التدبير كان أيضا في سن الشباب وأيضا الغاذية يتدارك بايراد البدل
لانثلام الوارد من الحملات وسوء التدبيرات .
قلنا : هذه الأسباب القدرية كما يوهن النسبية والقابل كذلك يوهن القوة والفاعل
فتدارك الغاذية لانثلامات النسبة لا يكافئها بل يزال في التنقص لأجل ورود سوء التدبير
وغيره على نفسها أيضا فمثل الغاذية كمثل من يقيم فسطاطا في ريح عاصفة تأتيه من كل مكان
فكلما يحرف الريح ذلك الفسطاط ويشرفه على الانهدام يصلحه المقيم بإقامة أعمدته
واحكام أوتاده فتلك الريح كما تزلزل أركان الفسطاط كذلك توهن أطراف ذلك المقيم
المصلح حتى تستأصله وتهدم بنيانه س ره .