عن المادة فالفاعل للنفس الناطقة امر قدسي مفارق عن المادة وعلائقها سواءا كان
صوره أو نفسا أخرى وذلك الامر المفارق هو المسمى بالعقل الفعال عند الحكماء
وعند الأوائل وعظماء الفرس سمى روان بخش بلغتهم ووجه التسمية بالعقل انه صوره
مجرده معقولة لذاته بذاته فان كل مجرد عن المادة كما مر في مباحث العقل والمعقول
يجب ان يكون عاقلا لذاته وان عقله لذاته نفس وجود ذاته لا لأجل حضور صوره
أخرى فذاته عقل وعاقل ومعقول وانما سمى بالفعال لوجوه ثلاثة :
أحدها انه موجد أنفسنا ومخرجها من حد العقل بالقوة إلى حد العقل بالفعل .
وثانيها انه ( 1 ) بالفعل من جميع الوجوه ليس فيه شئ بالقوة وهو كل المعقولات
بل كل الموجودات بوجودها العقلي فأطلقوا عليه فعال مبالغة في الفعل فعلى هذا
كل عقل فعال .
وثالثها ( 2 ) انه الموجد لهذا العالم ومبدء صورها الفائضة منه على موادها .
هامش
( 1 ) بان يكون فعال بمعنى النسبة إلى الفعل لا مبالغة فاعل كالتمار واللبان ونحوهما
- س ره .
( 2 ) فيه ان هذا يستقيم على مذهب المشائين إذ عندهم فاعل النفوس ومخرجها من
القوة إلى الفعل هو العقل الفعال ويعنون به العقل العاشر وهو أيضا فاعل هذا العالم بإذن الله
تعالى وقالوا إليه مفوض كدخدائيه أي تصرف عالم العناصر واما عند الاشراقيين
والمصنف قدس سره ففاعل النفوس الإنسية مخرجها من القوة إلى الفعل هو رب النوع
الانساني مبادئ صور الأنواع الأخر التي في هذا العالم أصحاب أنواعها لا صاحب النوع
الانساني ولا العقل العاشر لأنهم وان قالوا بالطبقة الطولية من العقول كما قالوا بالطبقة
العرضية الا انهم لم يحددوا الطولية في مبلغ معين كعشرة وعشرين بل قالوا يبلغ الأنوار
القاهرة في مراتب التنزلات والاصطكاكات إلى نور لا يفيض منه النور كما في مراتب
الأضواء الحسية من الضوء الأول والثاني والثالث إلى أن ينتهى إلى ضوء ضعيف لا يفيض
منه ضوء أصلا مع أن أنواع هذا العالم نفسا كانت أو جسما مستنده إلى الطبقة المتكافئة
لا إلى الطبقة المترتبة على أنه قدس سره قال في مبحث المعاد الروحاني في كل نوع من
أنواع الكائنات لا بد من واسطه مناسبة من الصور المجردة والجواهر العقلية وهم الملائكة
المقربون المسمون عند الأوائل بأرباب الأنواع وعند الأفلاطونيين بالمثل الأفلاطونية والصور
الإلهية انتهى وهو كما ترى يناقض ما ذكره هنا ويمكن التوفيق بين كلاميه بان المراد
بالعقل الفعال الموجد المخرج للنفوس من القوة صاحب النوع الانساني وكونه موجدا
لهذا العالم ومبدءا لصورها الفائضة منه على المواد باعتبار اشتمال صنمه على جميع الأصنام
واشتمال صاحبه على الجهات الفاعلية النورية التي في جميع الأرباب فان نسبه صاحبه
إلى تلك الأرباب كنسبة صنمه إلى أصنامها فهو موجد لهذا العالم وصوره ولكن لها
بما هي في صراط الانسان وبعبارة أخرى للمأخوذات لا بشرط بالنسبة إليه لا للمأخوذات
بشرط لا وان كانت الماهيات محفوظه والوجودات ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك
والكل مخلوقه من فضالة طينته بل كأنها المرائي له س ره .