القسم الثاني : حقيقة الوضع
تمهيد :
سبق الحوار حول نشوء اللغات ، وكان بين النظريّات الأكثر رواجا أنها تتم عبر وضع الأسماء لمعانيها . ولا ريب إنَّ الوضع يؤدي دوراً أساسيا في نشأة وتطوير اللغات . بَيْد أنَّ علماء الأصول المتأخرين سعوا إلى معرفة حقيقة الوضع ، كما أنَّ خبراء الدراسات اللغوية حاولوا - بدورهم - اكتشاف محور الوضع الذي يؤدي إلى دلالة الألفاظ .
وقبل الانسياب في بحث حقيقة الوضع وآراء عدد من علمائنا فيه ، ينبغي أن أشير إلى ما تبلور عندي من رأي حول حقيقة الوضع والذي سوف نرى إن شاء الله تعالى كيف يجمع بين الآراء المختلفة ، ونعرف ذلك من خلال مثل واقعي :
يُخترع في أوروبا - جهاز جديد سرعان ما ينتشر في البلاد العربية وباسمه الغربي فيتداعى الناس ل - ( وضع ) اسم عربي له . اسمه عند المنتجين له ( موبايل ) فيسميه العرب بالهاتف المحمول أو النقّال أوالخلوي أو ما شابه ذلك .
تعالوا نتعرف كيف وضع الناس له هذه الأسماء ؟
لقد تصوّروا الجهاز وعرفوا خصائصه ، ثم فتّشوا عن كلمة تُعبِّر عن تلك الخصائص ، فبعضهم سمّاه : محمولا ، لأنه يُصطحب ، والبعض سماه : خلوي ، لأنه يختلي به المستعمِل له ، وبعض سماه : النقّال ، لأنه يُنقل مع الشخص ، وبعض سمّاه غير ذلك حسب بعض خصائصه الأخرى .