روابط الحقائق بعضها ببعض ، مثل ارتباط القلم بالكتابة في قولك : كتبتُ بالقلم ، أليس قد جعلتَ القلم آلةً للكتابة ؟ ومثل ارتباط الكتابة بك في ذات الجملة فإنّ التعبير ب - " كَتَبْتُ " يدل على علاقة الكتابة بك بصفتك فاعلًا لها ، حيث نستفيد ذلك من صيغة " فَعَلْتُ " التي تضمَّنت معنىً حرفياً « 1 » مفاده علاقة الفعل بالفاعل في زمنٍ مضى .
وهكذا سائر الأفعال مثل : يَكتبُ ، أكتب ، بل والصفات مثل : كاتب ، مكتوب ، كتاب وما أشبه . إذ أنّك بالتأمل تستطيع أن تعرف أن كل هذه الكلمات تدلى على أمرين :
الأول : ذات الحقيقة - وهي الكتابة - .
الثاني : ارتباط هذه الحقيقة بشخص وبزمان - مثلًا بشخص المتحدِّث ( المتكلم ) في قوله ( كتبتُ ) في وقتٍ مضى ، وبالمخاطَب في قولنا ( أنتَ تكتب ) وبالفاعل المبهم في قولنا ( كاتب ) وبالمفعول المبهم في قولنا ( مكتوب ) .
وعملية إضافة معنى حرفي إلى ذات الحدث ( أو الحقيقة التي نتحدّث عنها ) تُسمّى بالتصريف أو الإشتقاق حيث نقتطع من أصل اسم الحدث بعض أفراده عبر إضافة معنى جديد إليه . « 2 »
وهذا يدلنا على إنّ أصل الكلمات هو الاسم ( أي اسم ذلك الحدث ) مثل الكتابة حيث يُضاف إليه في كل إشتقاق وتصريف معنى جديد . وهذا ما ذهبت إليه مدرسة البصرة في النحو حيث يقول بعض المؤيّدين لها في توضيح هذه المسألة ما يلي :
« ألا ترى أنَّ الفضّة أصل لجميع مايصاغ منها ، فهي موجودة المعنى فيه ، فإن صغت كوزاً ، أو إبريقاً ، أو خاتماً ، أو قُلباً ، أوخلخالًا وغير ذلك ، فمعناها موجود في جميع مايصاغ منها ، وليس معاني مايصاغ منها موجوداً فيها مفردة ، فكذلك معنى المصدر موجود في جميع الأفعال المشتقة منه ، وليس معنى فعلٍ واحدٍ منها موجوداً في المصدر نفسه ، ألا ترى أنه ليس في ( الضرب ) معنى فعل ماض ولا مستقبل موجوداً » . « 3 »
وهذا المثل يوضِّح طبيعة الإشتقاق ، بالرغم من أنّ تفرّع الكلمات بعضها عن بعض ليس شبيهاً تماماً بصياغة الموادّ التي تُذاب ثم تُصبّ في القوالب ، وإنما ذلك مجردّ توضيح .
هامش
( 1 ) - أي معنى العلاقة والارتباط .
( 2 ) - وهذا معنى الإشتقاق ، أي أخذ شق من شيء كما سيأتي .
( 3 ) - الزجاجي في الإيضاح ، ص 79 ، نقلأً عنه : البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 91 .