لا صلة ذاتيّة بين هذه الأصوات وما تشير إليه من معنى ، لكنَّ ذلك لايتمّ بسهولة ، إذ لابد من تكرار الربط بين هذين الحدّين : الدالّ والمدلول حتى تتولّد المواضعة الاجتماعية التي تحلّ محلّ الصلة المفقودة في إحكام الربط بين الدالّ والمدلول ، مما يزيل الإعتباط ويرسخ ( العقد ) العرفي الاجتماعي الذي تُفسَّر في ضوئه جميع الدلالات اللغوية . » « 1 »
ومعرفة هذه العلاقة هي كُنه معرفة اللغة ، وقد اهتم علماء الأصول بها من خلال ما أسموه بالتبادر حيث أنّ الذي يعيش في أجواء المتحدثين بلغةٍ معيّنة ، تتكوّن عنده من خلال محاوراتهم وسياقات كلامهم تلك العلاقة بين الكلمة ومعناها بحيث يستدعي ذهنه عند سماع الكلمة ذلك المعنى كما تثير العطشان رؤية الماء والجائع ريح الطعام .
يقول المحقق الآخوند الخراساني ( قده ) : « إن تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه إلى الذهن من نفسه وبلا قرينة ، علامة كونه حقيقة فيه ، بداهة أنّه لولا وضعه له لما تَبادَر » . « 2 »
وبالرغم من أنّ التبادر يبقى علامة وسِمَة على حقيقة الوضع ، إلا أنّه لا يكفي ، إذ أنّه قد يختلف المتحدِّثون بلغةٍ ، في التبادر أو في حدود دلالته ، ثم إنّ كل متحدث له لغته الخاصة ومصطلحاته ، مما نحتاج لمعرفتها إلى أكثر من دليل يدلّنا على المعاني وبالذات الأبعاد الدقيقة لمعاني الكلمات والتي فيها يختلف الباحثون وليس في أصل المعنى .
وهكذا توجَّهت أنظار علماء الألسنية إلى علامة أخرى لكشف مراد المتحدث وهي السياق .
باء : دور السِّياق في كشف المعاني
لكلّ كلمة نواة مركزيّة هي معناها الذي نقرءه في المعجم ، وفروع تتشعب من تلك النواة وهي ظلال الكلمة ومعاريضها وأبعادها . وحين تتصفح المعاجم تجد عادةً أكثر من معنى لكلّ كلمة هي مواضع استعمال الكلمة .
وحسبما يقول أولمان : « الدارس المعجمي يلاحظ كلّ كلمةٍ في سياقها كما ترد في الحديث أو النص المكتوب ، ثم يستخلص عن ذلك العامل المشترك العام ويسجّله على أنّه
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 293 .
( 2 ) - راجع : كفاية الأصول في بحث التبادر ، وقد تحدّثنا بإذن الله تعالى في مسألة التبادر في هذا الكتاب .