رأي حديث في طبيعة الجملة
والرأي الذي اختاره فندريس في اللغة يُعتبر مدخلًا نستطيع أن نتوسع بعده في معرفة مراكز الاهتمام في اللغة ، حيث نجد هناك أكثر من مدرسة فيما يرتبط بتركيب الجمل تحاول التعمّق في أغوار النسبة بين مفردة وأخرى إلى درجة كبيرة ، ويبدو لي أنّ دراسة الجملة على ضوء هذه المدارس لا تخلو عن المنفعة بالنسبة إلى علم الأصول وطلابه بل وأعلامه ، باعتبار أنّ جانباً مهمّاً من هذا العلم متصل بمعرفة دلالة الأدلة ، وباعتبار اهتمام الفقه بالتأمّل في كلمات الشرع وهي الأسمى بلاغة وفصاحة ، فإنّه يلتقط أيّة إشارة بلاغية لتوسيع أفق فهم الأدلة .
وفيما يلي نذكر ما يتصل برأي علماء الألسنية في تحليل المسند والمسند إليه ، وهو مايُسمّى عندهم بالاتجاه الوظيفي . « 1 »
الاتجاه الوظيفي يربط بين النظام اللغوي وكيفية توظيف هذا النظام لأداء المعاني ، ويتمثّل ذلك في الأمور التالية :
" 1 - وجود خيارات متعددة أمام المتكلم ضمن نظام اللغة ، فحين يختار المتكلم نظاماً معيّناً يقدِّم من خلاله ما يريد قوله مع مراعاة ظروف الكلام " . « 2 » وبتعبير آخر : يختار بين فرص التعبير مايتناسب والسياق حسب اهتمامه بالمعلومة الأهم التي يريد توصيلها للمستمع .
" 2 - ارتباط اللغة بالمجتمع وعلاقاته الثقافيّة كالتراث والتقاليد والعادات والأعراف ، فالمعطيات الاجتماعية المتنوّعة تفرض على المتكلم سلوكاً لغوياً معيناً ، لأنّ المتكلم يرتبط بالمجتمع إرتباطاً وثيقاً . " « 3 »
وهكذا علينا أن ندرس اللغة في إطار الوضع الثقافي للمجتمع ، ومن هنا تجد أنّ الحديث مع الحبيب يختلف عن الحديث مع الصديق ، وهما يختلفان عن خطابٍ إلى الرئيس ، وكلّها تختلف عن الكلام العلمي .
هامش
( 1 ) - راجع في تفصيل ذلك : مبادئ اللسانيات ، ص 241 - 250 .
( 2 ) - المصدر ، ص 241 .
( 3 ) - المصدر .