ثم يؤكد القرآن هذا الشرط الصعب في الإنفاق ، والذي يحتاج تحقيقه إلى ترويض شديد للنفس الأمارة بالسوء ، وردع دائم للشهوات الشيطانية فيها ، فيقول :
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( البقرة / 263 )
فلو لم يدفع الغني ماله للفقراء ، ولكنه يجالسهم ويحسب نفسه واحداً منهم ويعتبرهم إخوانه ولم يتسلط عليهم ، بل إذا صدرت منهم خطيئة صبر عليها وغفرها لهم ؛ هذا أفضل عند الله من أن يدفع ماله بدافع السيطرة عليهم ، وتذليل كرامتهم ، وتكوين حالة طبقية في الأمة .
ويتابع القرآن الحديث عن ذات الفكرة بكلمة توجيهية للمؤمنين يحذِّر فيها من أنّ صدقاتهم سوف تتبخَّر ، بل وتحترق ، بمجرد استخدامها في سبيل السيطرة على الفقراء والمحرومين ، ولا تعود الصدقات سبباً لنمو المال ، ولا لرحمة الله في الآخرة .
ويضرب لنا مثلًا موضِّحاً : أرأيت كيف يبطل الانسان عمل الخير ؟ . إنه أشبه شيء بأرض جبلية صمّاء ، جمع الفلاح حفنة من التراب عليها ليزرع فيها ، ولكن سيول المطر ذهبت بتلك الحفنة من التراب ، فعادت الأرض كطبيعتها الأولى لا تصلح للزرع ، هكذا هو الذي ينفق ماله ، ثم يستخدم إنفاقه للسيطرة ، كالصحراء لا تصلح لنبات الخير :
يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
أحكام الزكاة وفقه الصدقات — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٤