Skip to main content

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — Page 356

Contributors:

P.356
ثم يتفرق فرقتين فرقه إلى عالم الدنيا وعالم الشهادة وفرقه إلى عالم الآخرة وعالم الغيب وذلك كنهر واحد عظيم يجرى مجتمعا اجزاؤه على الاتصال ثم ينقسم إلى نهرين يجرى أحدهما إلى جانب اليمين وهو أشرف الجانبين وأنورهما وأقواهما والاخر إلى جانب الشمال وهو أخس الجانبين وأضعفهما وأظلمهما فالسعداء من الناس هم أصحاب اليمين وأهل الآخرة والأشقياء هم أصحاب الشمال وأهل الدنيا وقد أشرنا سابقا إلى أن أهل الدنيا أهل النار لان حقيقة جهنم وآلامها انما هي ناشئة من الدنيا وشهواتها وقد سبق أيضا انها ليست بدار مستقلة في الوجود لان الدار منحصرة في الدارين دار الأجسام الطبيعية الكائنة الفاسدة ودار الأجسام الروحانية الحية بحياة ذاتية وهي المتحدة مع الأرواح واما الفرق بين دار الدنيا ودار الجحيم هو ان النفوس الشقية ما دامت موجودة بحياتها الطبيعية كانت الدنيا دار نعيمها وتنعمت بشهواتها كالدواب والانعام وإذا انتقلت عن هذه الحياة الطبيعية وانبعثت إلى الآخرة وكانت شديده التعلق بالدنيا ولذاتها التي هي الآلام بالحقيقة وخيراتها التي هي شرور في الآخرة فانقلبت الدنيا نار جهنم في حقهم وشهواتها حيات وعقارب متمكنة في صميم قلبهم وطعامها وشرابها حميما وزقوما لهم كل ذلك متصورة بصورها المطابقة لمعناها متطلعة على أفئدة أهلها فلم يزل يحترق قلوبهم ونفوسهم بنار الحسد والغضب والتكبر وغيرها وجلودهم وأبدانهم بنار الطبيعة والشهوة وتلذعهم وتلسعهم حيات الهيئات السوء وعقاربها وهكذا إلى أن يشاء الله فظهر ان الدار داران والدنيا والجحيم في حكم دار واحده . إذا تقرر هذا فنقول ان العرفاء وأهل التصوف اصطلح عندهم في التعبير عن نزول فيض الوجود عنه تعالى إلى هذا العالم وعالم الآخرة بتدلي القدمين منه تعالى على سبيل
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — Page 356 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )