تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
وبالجملة يرى نفسه صرف العيب ومحض البطلان ، واعماله الصّالحة سيّئة فهو عبد كلّ على مولاه والمولى يقبله بقبول حسن ويرحمه دوماً ويلطف إليه ويفضل عليه آناً فآناً ، ولولا فضل اللَّه ورحمته ليهلك ويعدم ويفنى . وإن شئت قلت في تعريف التّواضع إنّها ملكة تعرّف الإنسان نفسه كما هي ، فالانسان بهذه الملكة يصل إلى مقامٍ أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ربّ أرني الأشياء كما هي . وهذه الفضيلة مقولة بالتّشكيك ، وكلّما زادت في شدّتها زادت في فضيلتها ، وآخر مراتبها هو مقام اللّقاء بمراتبه غير المتناهية ، فلا يرى نفسه فضلًا عن أن يرى فضائله أو أعماله الحسنة . وما اشتهر بين الاخلاقيّين من أنّ التّواضع هو الحدّ الوسط ، والإفراط هو التّكبّر والتّفريط فيه هو الذّلّة والمهانة وكلاهما من الرّذائل ، وحدّ الوسط من الفضائل ، خطأٌ لأنّه مضافاً إلى أنّ التواضع ونحوه من الفضائل مقولة بالتّشكيك ولا يفرض فيه الإفراط ولا التّفريط ولا حدّ الوسط ، بل كلّ مرتبةٍ من مراتبه فضيلة وكلّما اشتدّت مرتبةٌ زاد في فضيلتها كما أشرنا إلى ذلك مراراً ، أنّ التّكبّر والذّلّة والعجب من أضداد التّواضع لا من الافراط أو التفريط فيه وسيأتي البحث عن كلّ واحد منها إن شاء اللَّه تعالى . وهيهنا يحب أنّ ننبّه على نكتةٍ وهي أنّ التواضع يتضمّن ذلّة نفس المتواضع ، فالمتواضع يرى نفسه ذليلًا ، وكلّما زاد تواضعه زاد ذلّتها ، ولكن بين هذه الذلّة والذلة الّتي هي من أضداد التواضع بونٌ بعيدٌ ، كما مّر الكلام فيها وسيأتي البحث عنها مرّةً أخرى . إذ ذلّة النّفس الحاصلة عن التواضع تُعدّ من المحاسن وقد جعلها الوحي المبين من صفات المؤمنين ، قال تعالى : « يا ايَّها الّذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 66 | الشيخ حسين المظاهري