لا يصلح الناس فَوْضَى لا سُرَاةَ لهمْ
وقوله تعالى : أَمَرْنا مُتْرَفِيها « الإسراء : 16 » أي أمرناهم بالطاعة ، وقيل معناه كثرناهم .
وقال أبو عمرو : لا يقال أمَرْتُ بالتخفيف في معنى كثرت ، وإنما يقال : أمَّرت وآمرت .
وقال أبو عبيدة قد يقال : أمرت بالتخفيف نحو : خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة . وفعله : أمرت . وقرئ : أَمَّرْنَا ، أي جعلناهم أمراء ، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم ولذلك قيل : لا خير في كثرة الأمراء ، وعلى هذا حمل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كل قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها « الأنعام : 123 » وقرئ : آمَرْنَا ، بمعنى : أكثرنا .
والائْتِمَارُ : قبول الأمر ، ويقال للتشاور : ائتمار ، لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به .
قال تعالى : إن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ « القصص : 20 » قال الشاعر : وآمرت نفسي أيَّ أمْرَيَّ أفعلُ
وقوله تعالى : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً « الكهف : 71 » . أي منكراً ، من قولهم : أَمِرَ الأَمْرُ ، أي كَبُرَ وكَثُرَ كقولهم : استفحل الأمر .
وقوله : وَأُولِي الْأَمْرِ « النساء : 59 » قيل عَنَى الأمراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل الأئمة من أهل البيت . وقيل : الآمرون بالمعروف . وقال ابن عباس : هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله .
وكل هذه الأقوال صحيحة ، ووجه ذلك أن أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة : الأنبياء : وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم . والولاة : وحكمهم على ظاهر الكافة دون باطنهم . والحكماء : وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر . والوَعَظَة : وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم .
ملاحظات
1 . الأمر : مصطلح نبوي بمعنى ولاية الأمر بعده ، أي الخلافة . فقد كان يعرض نفسه على القبائل فيقولون له : إن نصرناك أتجعل الأمر لنا بعدك ؟ فيقول : لا .
ثم كان يأخذ البيعة من المسلمين على أن لا ينازعوا الأمر أهله . لكن علماء السلطة أبهموا الأمر ليقولوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يعين أحداً للأمر بعده !
وتبعهم الراغب فوسع أولي الأمر في الآية إلى أهل البيت عليهم السلام وأنواع الناس حتى وعاظ المساجد والتكايا والقصاصين ! ومحالٌ أن يأمر الله تعالى بطاعة أناس مختلفين ، وقد تقاتلوا على الحكم ، وقتل بعضهم بعضاً .
قال ابن هشام « 2 / 289 » : « أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس . أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء . قال فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك . فأبوا عليه » .
وورد في بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة : « قال : تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، وأن لا تنازعوا الأمر أهله ، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم » . « مجمع الزوائد : 6 / 49 » .
وروى البخاري : 8 / 122 ، في بيعة الشجرة : « عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله » . ومسلم : 6 / 16 ، والنسائي : 7 / 137 ، وابن ماجة : 2 / 957 . وأحمد : 5 / 316 .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 75
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٧٥