وحمل بعضهم الإبيضاض والإسوداد على المحسوس ، والأول أولى لأن ذلك حاصل لهم سُوداً كانوا في الدنيا أو بيضاً . وعلى ذلك دل قوله في البياض : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ « القيامة : 22 » وقوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ « القيامة : 24 » وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ « عبس : 40 » وقال : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ الله مِنْ عاصِمٍ كَأنما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً « يونس : 27 » .
وعلى هذا النحو ما روي : إن المؤمنين يحشرون غراً مُحَجَّلين من آثار الوضوء .
ويُعَبَّر بِالسَّوَادِ عن الشخص المرئي من بعيد ، وعن سواد العين . قال بعضهم : لا يفارق سوادي سواده ، أي عيني شخصه . ويعبر به عن الجماعة الكثيرة ، نحو قولهم : عليكم بالسواد الأعظم .
والسَّيِّدُ : المتولي للسواد ، أي الجماعة الكثيرة ، وينسب إلى ذلك فيقال : سيد القوم ، ولا يقال : سيد الثوب ، وسيد الفَرَس ، ويقال : سَادَ القومَ يَسُودُهُمْ .
ولما كان من شرط المتولي للجماعة أن يكون مهذب النفس ، قيل لكل من كان فاضلاً في نفسه : سَيِّدٌ . وعلى ذلك قوله : وَسَيِّداً وَحَصُوراً « آل عمران : 39 » . وقوله : وَأَلْفَيا سَيِّدَها « يوسف : 25 » فسمي الزوج سَيِّداً لسياسة زوجته ، وقوله : رَبَّنا إنا أَطَعْنا سادَتَنا « الأحزاب : 67 » أي ولاتنا وسَائِسِينَا .
ملاحظات
المعروف عند المسلمين أن لقب سيد وشريف يطلق على المنتسبين إلى النبي صلى الله عليه وآله ومنهم أبناء فاطمة الزهراء عليها السلام . ففي حديث موثق « مجمع الزوائد : 9 / 131 » : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أنس ، انطلق فادع لي سيد العرب يعني علياً ، فقالت عائشة : ألست سيد العرب ؟ قال : أنا سيد ولد آدم ، وعلي سيد العرب » .
أما رؤساء السواد فيسمون الدهاقين ، وهم السادة أو الملاكون عند الفرس . وكلام الراغب متأثرٌ بمحاولة علماء السلطة إبعاد لقب السيد عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله .
سَارَ
السَّيْرُ : المضيُّ في الأرض ، ورجل سَائِرٌ وسَيَّارٌ .
والسَّيَّارَةُ : الجماعة ، قال تعالى : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ « يوسف : 19 » . يقال : سِرْتُ ، وسِرْتُ بفلان ، وسِرْتُهُ أيضاً ، وسَيَّرْتُهُ على التكثير . فمن الأول قوله : أَفَلَمْ يَسِيرُوا « الحج : 46 » قُلْ سِيرُوا « الأنعام : 11 » سِيرُوا فِيها لَيالِيَ « سبأ : 18 » .
ومن الثاني قوله : سارَ بِأَهْلِهِ « القصص : 29 » ولم يجئ في القرآن القسم الثالث ، وهو سِرْتُهُ .
والرابع قوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ « النبأ : 20 » هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « يونس : 22 » .
وأما قوله : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ « النمل : 69 » فقد قيل : حثَّ على السياحة في الأرض بالجسم ، وقيل : حثَّ على إجالة الفكر ، ومراعاة أحواله كما روي في الخبر أنه قيل في وصف الأولياء : أبدانهم في الأرض سَائِرَةٌ وقلوبهم في الملكوت جائلة . ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة المتوصل بها إلى الثواب ، وعلى ذلك حمل قوله عليه السلام : سافروا تغنموا .
والتسْيِيرُ ضربان ، أحدهما : بالأمر والاختيار والإرادة من السائر نحو : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ « يونس : 22 » .
والثاني : بالقهر والتسخير كتسخير الجبال : وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ « التكوير : 3 » وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ « النبأ : 20 » .
والسِّيرَةُ : الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره ، غريزيّاً كان أو مكتسباً ، يقال : فلان له سيرة حسنة ، وسيرة قبيحة ، وقوله : سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأولى « طه : 21 » أي الحالة
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 407
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٤٠٧