لذلك في الحقيقة نحو : بَلِ الله يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ « النساء : 49 » وتارة إلى النبي لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم ، نحو : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها « التوبة : 103 » يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ « البقرة : 151 » وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك نحو : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً « مريم : 13 » لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا « مريم : 19 » أي مُزَكًّى بالخلقة .
وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء ، وهو أن يجعل بعض عباده عالماً وطاهر الخلق ، لا بالتعلم والممارسة بل بتوفيق إلهيّ ، كما يكون لجل الأنبياء والرسل . ويجوز أن يكون تسميته بالمزكى لما يكون عليه في الاستقبال لا في الحال ، والمعنى : سَيَتَزَكَّى .
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ « المؤمنون : 4 » أي يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله ، أو لِيُزَكُّوا أنفسهم ، والمعنيان واحد . وليس قوله : للزكاة مفعولاً لقوله : فاعلون ، بل اللام فيه للعلة والقصد .
وتَزْكِيَةُ الإنسان نفسه ضربان ، أحدهما : بالفعل ، وهو محمود وإليه قصد بقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها « الشمس : 9 » وقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى « الأعلى : 14 » .
والثاني : بالقول كتزكية العدل غيره ، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه ، وقد نهى الله تعالى عنه فقال : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ « النجم : 32 » ونهيه عن ذلك تأديبٌ لقبح مدح الإنسان نفسه عقلاً وشرعاً . ولهذا قيل لحكيم : ما الذي لا يَحْسُن وإن كان حقاً ؟ فقال : مدح الرجل نفسه .
ملاحظات
استعملت مادة الزكاة في القرآن عشرات المرات ، وقرنت بالصلاة وجعلت ركناً عملياً بني عليه الإسلام .
وتشمل الزكاة المسماة بالصدقة : الخمس ، والصدقة المستحبة : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ . . وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى .
وتشمل الزكاة عبادة الله وعمل الخير : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى .
وتشمل تزكية الإنسان نفسه : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا .
وتزكية النبي للمؤمنين : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . وتزكية الله لهم : بَلِ الله يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ .
وزكاة الإنسان بنفسه : قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا . وزكاة الطعام : فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا .
والإنسان البرئ زكي : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ .
زَلَّ
الزَّلَّةُ : في الأصل استرسالُ الرجل من غير قصد ، يقال : زَلَّتْ رِجْله تَزِلُّ . والْمَزِلَّةُ : المكان الزلق .
وقيل للذنب من غير قصد : زَلَّةٌ ، تشبيهاً بزلة الرجل . قال تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ « البقرة : 209 » فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ « البقرة : 36 » .
واسْتَزَلَّهُ : إذا تحرّى زلته . وقوله : إنمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ « آل عمران : 155 » أي استجرهم الشيطان حتى زلوا ، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه .
وقوله عليه السلام : من أُزِلَّتْ إليه نعمةٌ فليشكرها ، أي من أوصل إليه نعمة بلا قصد من مسديها ، تنبيهاً [ على ] أنه إذا كان الشكر في ذلك لازماً فكيف فيما يكون عن قصده .
التزَلْزُلُ : الاضطراب ، وتكرير حروف لفظه تنبيه على تكرير معنى الزلل فيه ، قال : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها « الزلزلة : 1 » .
وقال : إن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَئ عَظِيمٌ « الحج : 1 » وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً « الأحزاب : 11 » أي زُعْزِعُوا من الرُّعب .
زَلَفَ
الزُّلْفَةُ : المنزلة والحظوة ، وقوله تعالى : فَلما رَأَوْهُ زُلْفَةً
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 367
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٦٧