« يونس : 16 » من قولهم : دريْت ، ولو كان من درأت لقيل : ولا أدرأتكموه .
وكل موضع ذكر فيه : وَما يُدْرِيكَ لم يعقبه بذلك ، نحو : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى « عبس : 30 » وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ « الشورى : 17 » .
والدِّراية : لا تستعمل في الله تعالى ، وقول الشاعر :
لَاهُمَّ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ الدَّارِي فمن تعجرف أجلاف العرب
ملاحظات
1 . قال الراغب : « الدِّراية : المعرفة المدركة بضرب من الحيل » فأدخل معنى الحيلة في الدراية لأنه تصور أنها مأخوذة من دارَى ، ودَارَاه تأتي بمعنى خاتله . وهو تصورٌ خاطيء ، فلا درى من دارى ، ولا داراه بمعنى خاتله بل داراه بمعنى جاراه وجامله ولاينه وتألفه ، ومنه الحديث النبوي : مداراة الناس نصف العقل . ومنه حكم المؤلفة قلوبهم ، فهل يأمر الله ورسوله بالحيلة والمخاتلة !
قال الإمام الصادق عليه السلام في معنى الدراية : « عليكم بالدرايات لا بالروايات . خبر تدريه خير من ألف ترويه » . « مستطرفات السرائر / 266 » .
كما أن قوله إن الله تعالى ذكر جواب أدراك ولم يذكر جواب يدريك ، فهو غير دقيق . وقد نقضه بآية أدراكم به ، فليس فيها جواب !
2 . وقد رتَّب الراغب على تكلفه بأن درى فيها نوع من الحيلة ، أنه لا يجوز وصف الله تعالى بالدراية ، لأنه منزه عن الحيلة ، ثم تهجم على العجاج الشاعر ، ولم يسمه لأنه قال : لاهُمَّ لا أَدْرِي وأَنْتَ الداري
كلُّ امْرئٍ مِنْكَ على مِقْدارِ
فقال عنه : « وقول الشاعر فمن تعجرف أجلاف العرب » .
والجلافة : الغلظة والجفاء في الخَلْق والخُلق . والعجرفة : الحَمَق والتسرع وقلة المبالاة !
وكان الواجب على الراغب لما رأى العجاج أمير الرجز العربي قد استعمله الله تعالى ، أن يرجع عن تخيله أنها تتضمن معنى الحيلة ، ويصحح علمه ، لكنه بدل ذلك شتم العجاج ! راجع : ابن منظور : 12 / 555 ، و : 1 / 71 ، و : 9 / 11 ، والخليل : 8 / 58 ، والجوهري : 6 / 2334 ، وابن فارس : 2 / 271 ، والمصون في الأدب للعسكري / 138 ، ومعجم المناهي اللفظية لأبي زيد : 1 / 78 ، والمخصص : 3 ق 3 / 158 .
دَرَأ
الدَّرْءُ : الميل إلى أحد الجانبين ، يقال : قَوَّمت دَرْأَهُ . ودَرَأْتُ عنه : دفعت عن جانبه . وفلان ذو تَدَرُّؤٍ ، أي قويٌّ على دفع أعدائه .
ودَارَأْتُهُ : دافعته . قال تعالى : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ « الرعد : 22 » وقال : وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ « النور : 8 » .
وفي الحديث : إدْرَءُوا الحدود بالشبهات ، تنبيهاً على تطلُّب حيلة يدفع بها الحد ، قال تعالى : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ « آل عمران : 168 » وقوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها « البقرة : 72 » هو تفاعلتم ، أصله : تَدَارَأْتُم ، فأريد منه الإدغام تخفيفاً وأبدل من التاء دال فسُكِّن للإدغام ، فاجتلب لها ألف الوصل فحصل على افَّاعلتم .
قال بعض الأدباء : ادَّارأتم افتعلتم ، وغُلِّطَ من أوجه : أولاً ، أن ادَّارأتم على ثمانية أحرف ، وافتعلتم على سبعة أحرف . والثاني : أن الذي يلي ألف الوصل تاء ، فجعلها دالاً . والثالث : أن الذي يلي الثاني دال فجعلها تاء . والرابع : أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال منه إلا متحركاً ، وقد جعله هاهنا ساكناً . الخامس : أن هاهنا قد دخل بين التاء والدال زائد ، وفي افتعلت لا يدخل ذلك .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 313
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣١٣