لها كأنه لا يجد عنها بدلاً ، ولذلك قال تعالى : فَتَقَطعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كل حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « المؤمنون : 53 » وقال عز وجل : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « الزخرف : 32 » .
وعلى هذا الحد وصف بالقاهر ، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه .
وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه : يا بارئ المسموكات وجبّار القلوب على فطرتها ، شقيها وسعيدها .
وقول ابن قتيبة : هو من جبرت العظم ، فإنه جبر القلوب على فطرتها من المعرفة ، فذكرٌ لبعض ما دخل في عموم ما تقدم .
وجَبَرُوت : فعلوت من التجبر . واسْتَجْبَرْتُ حاله : تعاهدت أن أجبرها ، وأصابته مصيبة لا يَجْتَبِرُهَا ، أي لا يتحرَّى لجبرها من عظمها .
واشتق من لفظ جبر العظم : الجَبِيرَة ، للخرقة التي تشد على المَجْبُور ، والجِبَارة للخشبة التي تشدُّ عليه ، وجمعها جَبَائِر . وسُمِّيَ الدملوج « معضد » جبارة ، تشبيهاً بها في الهيئة ، والجبار : لما يسقط من الأرش .
ملاحظات
1 . استعمل القرآن من هذه المادة كلمة جَبَّار فقط ، وقد وردت في تسع آيات ذماً للإنسان الجبار ، لأنه يضطهد الناس ويجبرهم ظلماً . كقوله تعالى : وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . . وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . . وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا . . وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا . . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . .
ووردت مدح الله تعالى لأنه يجبر مخلوقاته على ما يصلحها . قال تعالى : الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ . « الحشر : 23 » .
2 . جعل الراغب جَبَرَ أصلاً واحداً ، وأدخل فيها معنى قهر ، قال : « إصلاح الشئ بضرب من القهر ، يقال : جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ » . ثم قال إن الإصلاح والقهر قد ينفردان ، أي يصير الأصل الواحد أصلين ! « وقد يقال الْجَبْرُ تارة في الإصلاح المجرد ، نحو قول علي رضي الله عنه : يا جَابِر كل كسير . وتارة في القهر المجرد نحو قوله عليه السلام : لا جَبْر ولا تفويض » . ثم زعم أن معنى أجبره : أكرهه على أن يجبر الآخر !
والصحيح أن جَبَرَهُ بمعنى أصلحه ، وأجبره بمعنى أكرهه .
4 . أفرغ الراغب كلمة جبار من معنى الإكراه قال : « والجبَّار : في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها » .
والصحيح أن الجبار في غير الله تعالى يتضمن التعالي ، وإكراه الآخرين ظلماً .
5 . قال الراغب : « وما روي في الخبر : ضرس الكافر في النار مثل أحد ، وكثافة جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار ، فقد قال ابن قتيبة : هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له : ذراع الشاهْ » .
ولا توجد روايته في مصادرنا لأنه تجسيم ، تعالى الله أن يكون له ذراع مثلنا .
لكن رووه وصححوه على شرط الشيخين : « إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار وضرسه مثل أحد » . « المستدرك : 4 / 595 » . ويقصد أبو هريرة ذراع الله تعالى ، وقد أخذه من إسرائيليات كعب ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ! وقد أثبتنا في « ألف سؤال وإشكال : 1 / 483 » أنه كان يجعل أقوال كعب أحاديث نبوية !
وخففه البيهقي فقال إنه للتهويل وليس للحقيقة . وقول ابن قتيبة إن الجبار حاكم فارسي أو يمني . تحايلٌ للفرار من التجسيم ! « فتح الباري : 11 / 365 ، وعمدة القاري : 23 / 121 » .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 197
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص١٩٧