والاسم : البِيئةُ . وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هيئة التبَوُّءِ . وباءَتْ بِبيئةِ سُوءٍ ، أَي بحالِ سُوءٍ .
وفي الحديث : مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النار : لِيَنْزِلْ مَنْزِله مِن النار » .
وقال : « وسُمي النكاحُ باءَةً وباءً من المَباءَةِ لأَن الرجل يَتَبَوَّأُ من أَهله أَي يَسْتَمْكِنُ من أَهله ، كما يَتَبَوَّأُ من دارِه . والهاء في الباءة زائدة ، والناسُ يقولون : الباه » .
ويؤيد ما قلناه : أن كل موارد المادة في القرآن يصح تفسيرها بالبيئة والجو المادي والمعنوي ، ولا يصح تفسيرها بالرجوع والمساواة .
فمعنى قوله تعالى : تَبَوَآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً : اختارا بيوتاً في بيئة مناسبة .
ومعنى : باءَ بسخط من الله : تحمل الجو المعنوي من السخط . ومعنى : إِذْ بَوَأْنَا لآبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ : جعلنا بيئة البيت مناسبة ، وأعطيناه لإبراهيم وذريته .
ومعنى : وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ : أورثنا الأرض ، لكنا نختار لسكننا الجنة .
ومعنى : وَبَوَأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا : جعلناكم في بيئة مناسبة من الأرض .
فعنصر البيئة والجو المادي أو المعنوي داخل في كل استعمالات المادة .
أما معنى المساواة في باءَ ، فليس من البيئة بل من قولهم : باوَأْتُ بين القَتْلى : أَي ساوَيْتُ . وقولهم : هم بَواءٌ أَي أَكْفاءٌ . وفي الحديث : الجِراحاتُ بَواءٌ ، أي مُتَساويةٌ في القِصاص فلا يُؤْخَذُ إلا مِثْلُ جِراحَتِه سَواءً ، وذلك البَواءُ . وكذلك معنى الرجوع في قولك باءَ به ، فهو رجوع معنوي بمعنى تحمل نتيجة عمله وصار عليه وليس رجوعاً حقيقياً .
2 . ذكر الراغب أربع آيات وردت فيها مادة : بَاءَ ، من بضع عشرة آية .
ومنها : قوله تعالى عمن فرَّ من القتال في بدر : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله . « الأنفال : 16 » .
ومنها : لمن سرق من الغنائم أو اتهم النبي صلى الله عليه وآله بأنه سرق ! أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . « آل عمران : 163 » .
ومنها : ثلاث آيات في بَوْء اليهود بغضب الله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله . « البقرة : 61 » .
ومنها : على لسان هابيل لأخيه قابيل : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ . « المائدة : 28 » .
ومنها : عن قوم هود : خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَأَكُمْ فِي الأَرْضِ . « الأعراف : 74 » .
ومنها : تبويئ إبراهيم عليه السلام مكان البيت : إِذْ بَوَأْنَا لآبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ . « الحج : 26 » .
ومنها : تبويئ بني إسرائيل : وَلَقَدْ بَوَانَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَأَ صِدْقٍ . « يونس : 93 » .
ومنها : تبويئ المقاتلين أمكنتَهم : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ . « آل عمران : 121 » .
ومنها : وعدٌ للمهاجرين الذين فقدوا بيوتهم : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً . « النحل : 41 » .
ومنها : وعدٌ للمؤمنين في الآخرة : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا . نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ . وروي أنها في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وأصحابه .
ومنها : مدحٌ للأنصار : وَالَّذِينَ تَبَوَءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ . « الحشر : 9 » .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 163
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص١٦٣