هذا فالآية لو لم تدل على أن سبب العدول هو النكتة الثانية ، فلا ظهور لها في أن سببه هو النكتة الأولى فلا أقل من الإجمال ، وعليه فلا يمكن الاستدلال بها على أصالة البراءة الشرعية .
ومع الإغماض عن ذلك وتسليم أنها تدل على أصالة البراءة ، فعندئذٍ تقع المعارضة بينها وبين أدلة وجوب الاحتياط ، فإن مقتضى الآية الكريمة جعل الترخيص الظاهري في الشبهات الحكمية بعد الفحص وعدم وجدان الدليل فيها ، ومقتضى روايات الاحتياط وجوبه فيها في هذا الفرض ، ولكن حيث إن روايات الاحتياط مخالفة للآية الكريمة ، فهل هي مشمولة للروايات الدالة على أن المخالف للكتاب أو السنة زخرف أو باطل أو لا ؟
والجواب أنها غير مشمولة لها ، وذلك لأن المراد من المخالفة في تلك الروايات المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه ، وأما إذا كانت المخالفة بنحو العموم المطلق ، فلا تكون مشمولة لها وما نحن فيه كذلك ، لأن روايات الاحتياط بما أنها مختصة بالشبهات الحكمية التحريمية فتكون أخص من الآية الكريمة ، لأن الآية بإطلاقها تشمل الشبهات الحكمية أعم من الوجوبية والتحريمية ، وعندئذٍ فمقتضى القاعدة تقييد إطلاق الآية بغير الشبهات التحريمية .
فالنتيجة أن دلالة الآية على أصالة البراءة لو تمت ، فمقتضى القاعدة تقديم روايات الاحتياط على إطلاق الآية تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على المقيد ، هذا في فرض تمامية روايات الاحتياط سنداً ودلالة وإلا فلا معارض لها .
المباحث الأصولية — صفحة 92
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٩٢