وأما الفقرة الثانية ، فيحتمل أن تكون مرتبطة بالفقرة الأولى ، بمعنى ان الانفاق في سبيل الله أمر حسن ومحبوب عند الله تعالى شريطة ان لا يتجاوز حدوده وهي الانفاق بتمام أمواله ، بحيث يجعل نفسه وعائلته في مهلكة الفقر والافلاس الموجبة لمهانته عند الناس وحاجته إليهم ، ويؤكد ذلك قوله تعالى :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
« 1 » وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
« 2 » أي ما زاد على حاجته ، وعلى هذا فالمراد من التهلكة في الآية الفقر والافلاس وليس هلاك النفس أو العقوبة الأخروية ، وحيث إن المؤمنين في صدر الاسلام كانوا يتسابقون في البذل والانفاق والعطاء في سبيل الله بكل ما يملكونه ، ولهذا نهى الله تعالى عن مثل هذا البذل وأمر بالاعتدال والقسط والوسطية .
ويحتمل أن تكون الفقرة الثانية في مقابل الفقرة الأولى ، فان الفقرة الأولى ظاهرة في وجوب الانفاق ، وحينئذٍ لابد من الأخذ بهذا الظهور بالنسبة إلى الزكاة والخمس ونحوهما ، وأما بالنسبة إلى الانفاقات المستحبة ، فنرفع اليد عن هذا الظهور لمكان القرينة على عدم الوجوب ، وهذه الفقرة ظاهرة في حرمة الانفاق المؤدي إلى التهلكة .
فالنتيجة ان الآية على كلا التقديرين أجنبية عن الدلالة على وجوب الاحتياط .
هامش
( 1 ) - سورة البقرة ، الآية 29 .
( 2 ) - سورة البقرة ، الآية 219 .