شرعاً بالبقاء فيه على حالة واحدة ولا يجوز له الانتقال منها إلى حالة أخرى سواءً أكان الانتقال أينياً أم وضعياً إلّا في حال الضرورة وهذا كما ترى ، ولا يمكن لأحد أن يلتزم به حتى هو قدس سره ، ولعل منشأ هذا التفصيل هو تخيل أن الانسان المضطر إلى البقاء في المكان المغصوب إذا كان باقياً على حالة واحدة وهيئة فاردة ، فهو تصرف واحد لدى العرف العام ، وأما إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى ، ومن هيئة إلى هيئة ثانية سواءً أكان الانتقال أينياً أم وضعياً فهو تصرف متعدد ، وحيث إنه لا يكون مضطراً إليه فقد ارتكب أكثر من محرم واحد باعتبارأن كل انتقال منه من حالة إلى أخرى محرم ، فلذلك يجب عليه الاقتصار علىحالة واحدة وهيئة فاردة ، لأن الضرورة تتقدّر بقدرها .
ولكن هذا محض خيال لا واقع موضوعي له ، لأنه مبني على نقطة في غاية السقوط وهي أن البقاء في أرض الغير لا يكون تصرفاً فيها وانما التصرف فيها الوجود الأول ، ضرورة أنه لا فرق بين الوجود الأول والوجود الثاني والثالث وهكذا المسمى بالبقاء ، فإن البقاء هو الوجود ولا فرق بينه وبين الحدوث فيه لأن كليهما وجود ، غاية الأمر أن الحدوث وجود مسبوق بالعدم والبقاء وجودمسبوق بالوجود فلو غصب شخص أرض الغير وقام فيها ، فلازم ذلك أن المحرم حدوث قيامه فيها وهو الوجود الأول لابقائه وهو الوجود الثاني والثالث وهكذا وهو كما ترى ، ومن الطبيعي أن هذا التفصيل لا أساس له لا عقلًا ولاعرفاً ، إذ لازم ذلك أن من غصب ملك الغير فإن بقي فيه في نقطة واحدة بدون أنيتحرك لا بحركات أينية ولا وضعية فقد تصرف فيه تصرفاً واحد ، وعليه اثم واحد وإن لم يبق فيه بنقطة واحدة بأن يتحرك بحركات أينية أو وضعية فقدتصرف بتصرفات متعددة وارتكب معاصي عديدة ، ولا يمكن الالتزام بهذا اللازم ، ضرورة أن البقاء هو الحدوث ، غاية الأمر أنه مسبوق بالوجود ، فكما
المباحث الأصولية — صفحة 470
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٧٠