وحيث عرفت حقيقة التحسين والتقبيح العقليّين ، فاعلم أنّ المراد بكونهما ذاتيّين أو عرضيّين ليس كونهما ذاتيّين بالمعنى المذكور في باب الكلّيات الخمس ولا كونهما ذاتيّين بالمعنى المسطور في كتاب البرهان ، كما بيّنّا وجهها في مبحث التجرّي مفصّلًا .
بل بمعنى عدم الحاجة إلى الواسطة في العروض والحاجة إليها ، فمثل العدل والإحسان والظلم والعدوان - بنفسهما لا من حيث إندراجهما تحت عنوان آخر - محكومان بالحسن والقبح ، بخلاف الصدق والكذب فإنّهما مع حفظ عنوانهما يوصفان بخلافهما .
نعم كونهما ذاتيّين لهما بمعنى آخر ، وهو أنّهما لو خلّيا وطبعهما يوصفان بهما لاندراج الصدق تحت ( العدل في القول ) واندراج الكذب تحت ( الجور في القول ) ، دون غيرهما ممّا لا يتّصف بشيء لو خلّي ونفسه ، فراجع مبحث التجرّي .
وهذا بناءً على كون الحسن والقبح من قبيل الحكم بالإضافة إلى موضوعه واضح ، فكيف يعقل أن يكون الحكم المجعول منتزعاً عن مرتبة ذات موضوعه . وأمّا بناءً على أنّهما من الأمور الواقعيّة فهما من قبيل العرض غير المفارق ؛ والعرض المفارق والعرض مطلقاً لا يكون ذاتيّاً لموضوعه كما هو واضح .
كما أنّا ذكرنا غير مرّة أنّ المراد من العلّية والإقتضاء هو اقتضاء الموضوع لحكمه بنحو اقتضاء الغاية لذي الغاية ، لا بنحو اقتضاء السبب لمسببه ؛ بداهة أنّ الحكم لا يترشّح من موضوعه ، بل السبب الفاعلي له هو الحاكم وإنّما الموضوع - لمكان الفائدة المترتّبة على وجوده - يدعو الحاكم
حقيقة الاعتبار بين الأطروحة القديمة والأطروحة الجديدة ( أصول استنباط العقائد في نظرية الإعتبار) تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة أصول استنباط العقائد 43
مساهمون: السيد محمد حسن الرضوي
صأصول استنباط العقائد ٤٣