الوجه الثالث
إنّ المعاني العقليّة وما فوقها من الحقائق لا ريب أنّها إذا تنزّلت في الإنسان الكبير وهو عالم الكون وكذا إذا أريد تنزل المشيئات للباري عزّ وجلّ - كما هو متسالم بين كلّ مدارس المعارف مطلقاً إجمالًا - أن تنزّل المشيئة الإلهيّة أو تنزّل العلم الربّاني الذاتي يتمّ بالعلم ، ثمّ المشيئة ، ثمّ الإرادة ، ثمّ القضاء ، ثمّ القدر بمعنى الإبرام . فالإيجاد في عالم المادّة يتسلسل في ترتيب معيّن ، فكذلك في الإنسان الصغير .
وبعبارة أخرى ، الترتيب في الإنسان الكبير بلحاظ عالم المادّة ، وهذا الترتيب ليس في أفعال الباري لعجز منه تعالى وإنّما منشؤه عدم قابليّة وإمكان الممكن الموجودي لأن ينوجد إلّابتوسّط الترتيب المذكور ، فليست القدرة الإلهيّة محدودة وإنّما المحدوديّة في الموجود للممكن . فعالم الدنيا بلا تقدير لا يمكن حدوثه ، ولا بدّ من تقدير قبله ؛ لأنّ العالم المادّي الجسمي محدود فهو يحتاج إلى مادّة وغيرها من الشرائط ، فنفس الموجود المتكوّن المادي طبيعته تستلزم له التقدير قبل تكوينه .
فخاصيّة الموجود المادّي أن فرض ذاته وإمكانه وفرض شيئيّته لا يمكن إلّابعد فرض سلسلة من أفعال الباري ، فليس تدبير الملائكة في الإنسان الكبير أمراً إتّفاقيّاً واعتباطيّاً
( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ )
« 1 » أي لهم نفوس كلّية مدبّرة وكيفيّة
هامش
( 1 ) . سورة النحل : الآية 50 .