ذلك الضرر الذي يكون بدرجة شديدة بحيث يُشرف على الهلكة ، وحينئذ يتناول من المَيتة بقدر ما يحفظ به رمق حياته . . ولا يتعدّى ذلك . . كما يستفاد من الآية :
« فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »
« 1 » . .
وكذلك في المحرّمات الأخرى . . كشُرب الخمر ، أو الزنا أو الفجور . . فما الوجه في كون الضرر المهلك مسوّغاً لرفع مثل تلك الحرمة دون اليسير منه ؟
فالضرر في الوضوء يختلف عنه في باب أكل الميتة . .
والحال في عنوان الحرج كذلك . . والفقهاء يعبّرون بهذه العبارة : « الحرج في كلّ شيء بحسبه » . . فتجري قاعدة الحرج في الوضوء ، وفي غسل الجنابة بأدنى درجة . . بينما هذه القاعدة في المحرّمات الشديدة الكبيرة لابدّ أن تكون بدرجة العسر الشديد جدّاً . . والوجه في التفرقة هو أنّه في المحرّمات الشديدة لا يرفع تلك الحرمة ، أو لا يرفع تنجّزها وعزيمتها إلّا الحاجة الشديدة . . بينما في موارد الحرمة الخفيفة يرفعها أدنى عسر ومشقّة كما تقدّم . . ويطَّرد الكلام في الاضطرار والإكراه والنسيان . .
فالوجه لهذه التفرقة ليس إلّا مبنى المشهور من أنّ نسبة العناوين الثانويّة مع الأحكام الأوّليّة هي نسبة التزاحم الملاكيّ لا التخصيص والتقييد ؛ ومن ثمّ شملها حكم التزاحم . . فالضرر اليسير لا يزاحم ولا يمانع الملاك الشديد . . وإنّما يدافع الملاك الخفيف ؛ وكذلك في الحرج والنسيان وغيرهما . .
فالشعائر ليست على درجة واحدة من التعظيم أو من حرمة الإهانة ، بل هي تختلف شدّةً وضعفاً بحسب شدّة وعظمة المعنى الذي تُعلِم عنه وتشير إليه ، أو بحسب شدّة العلقة كما مثّلنا لذلك سابقاً . .
هامش
( 1 ) البقرة : 173 .