بعد الصدور ، وعدم الوصول إلينا ، لكثرة عوامل الاختفاء .
ونكمّل هذا البيان بإمكان أن يُقال : إنّ عدم وجدان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فيما أوحى إليه يكون بمنزلة علمه بعدم الوجود ، لا الشكّ فيه حتّى يُستشعر منه لما نحن فيه بتنقيح المناط ، وكونه إشارة إلى أصلٍ من الأصول المسلّمة العقلائيّة ، كما صرّح العراقي قدس سره بأنّ الشكّ في وجود شيء يكفي في عدم الجواز في الالتزام بتركه .
وعليه ، فالآية غير شاملة لصورة الشكّ في الوجود حتّى تدلّ على البراءة .
وثانياً : من الاحتمال القريب المستفاد من الآيات السابقة عليها ، كون هذه الآية الشريفة واردة لبيان توبيخهم على إفترائهم واستناد شيء يعلم كونه من غير اللَّه إلى اللَّه ، فقد ورد قبلها قوله تعالى : « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » « 1 » حيث وردت في حقّ من حرّم الأجناسالثلاث من الأنعام على بعض الأفراد ، أو على جميعهم في بعضأقسامها ، من دون أن يكون نازلًا من اللَّه . فالآية وردت في مثل هذه الموارد ، ولذلك تكون غير مرتبطة بما نحن بصدده .
أقول : والعجب من المحقّق العراقي قدس سره من دعوى عموم الآية للشمول بكلا قسميه من الموردين ، مع أنّهما موضوعين متفاوتين ، ولا جامع بينهما ، وإرادتهما معاً بالاستقلال مستلزمٌ لاستعمال اللّفظ في الجملة في أكثر من معنى .
وبالجملة : ظهر ممّا ذكرنا عدم دلالة الآية بل ولا الإشعار لمسألتنا أصلًا ، فتأمّل حتّى يتّضح لك الأمر .
* * *
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 144 .