محذور آخر أخف إذا دار الأمر بين المحذورين ، والأهم والمهم ، أو ترك واجب لدفع الضرر ، أو نحو ذلك ، فهذا ليس من تغيير الحكم - كما أشرنا إليه - بشيء ، بل هو انتفاء حكم خاص بانتفاء موضوعه ، ووجود حكم آخر بوجود موضوعه ، فأكل الميتة لغير المضطر حرام شرعاً وللمضطر حلال شرعاً ، وكل منهما حكم شرعي لموضوعه المختص به ثابت لا يقبل التغيير .
والوضوء واجب إذا لم يكن فيه ضرر على صحة جسم المتوضّي ، وهو حرام وبدعة إذا كان فيه خطر على صحته .
أما في دوران الأمر بين الأهم والمهم ، أو المهمين المتساويين عند الشرع ، فحيث أن المكلف لا يتمكّن من امتثال الوجوبين لابدَّ له عقلًا في الصورة الأولى من حفظ الأهم ، وفي الصورة الثانية هو بالخيار في الإتيان بأيّهما شاء .
ففي كل هذه الصور لاتغيير في الحكم الشرعي .
ولا يخفى عليك أنّ ذلك يجري في الأحكام الجزئية لا الأحكام الكلية ، فلا تجد حكماً كلياً مزاحماً بكليته لحكم كلي آخر .
وكذا قاعدة أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح ليس معناها - كما مر الإشارة إليه - تغيير الحكم الشرعي ، بل المراد أنّ الحكمين الشرعيين اللذين أحدهما شرّع لدفع مفسدة ، والآخر لجلب مصلحة ، كأن يكون أحدهما حكماً تحريمياً توجب مخالفته الوقوع في المفسدة ، والآخر وجوبياً توجب مخالفته تفويت المصلحة ، ولا يمكن للمكلف الجمع بين امتثال كلا الحكمين ، فيأتي بالذي يدرء المفسدة أو يترك ما فيه المفسدة دون الذي يجلب المصلحة ، وعليك إن أردت المزيد بملاحظة باب تزاحم الأحكام في الكتب الأُصولية .
لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 28
مساهمون: الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
ص٢٨