مثلًا تحريم التراب يفهم منه تحريم صرفه في طمّ الحفر وبناء الجدران والتطيين به وما شاكل ذلك ؛ وأمّا تحريم أكله فلا يفهم من هذا وإن قام دليل آخر عليه ؛ وهذا بخلاف تحريم الذهب على الرجال فلا يفهم منه حرمة طمّ الحفر به عليهم وما شاكل ذلك وإنّما يفهم منه تحريم التزيين به مثلًا .
كما أنّ العلم والجهل بالمناسبات ربما يكون لهما دخلٌ في تحديد المناسبات . فمن لا يعلم بوجود مناسبة بين نبات وبين علاج يكون المناسب لذاك النبات في عرفه مثل إطعام الحيوانات وإن كان المناسب للعالم بكونه معالجاً لمرضٍ هو غيره .
نعم ، العلم لا يحدث التناسب ، وإنّما يكشف عنه وإن كان يوجب زوال التناسب عن شيء آخر أحياناً .
إذا تمهّد ما ذكرنا فنقول : إنّ تحريم العين لمّا كان بمعنى تحريم مناسباتها فمع اتّحاد الأزمنة والأمكنة في مناسبات العين كما هو المشهود في كثير من الأعيان فالأمر واضح .
وأمّا مع اختلاف الأزمنة كما إذا افترضت العين مناسبة لأكل الناس والحيوانات في زمان لكثرتها جدّاً ، ثمّ فرضت مناسبة لأكل الإنسان خاصّة لقلّتها وعزّتها في بعض الأزمنة ، فالتحريم في كلّ زمان يصرف إلى الفعل المناسب لتلك العين في ذلك الزمان ؛ مثلًا حرمة الخمر بمعنى حرمة شربها وإسقائها للغير فيما كانت الخمر محدودة في الكم خارجاً ، وأمّا إذا كثرت حتّى صارت في الخارج كالمياه المطلقة في الشيوع - وهو مجرّد فرض - فنفس تحريم الخمر يقتضي تحريم إسقائها للحيوانات لأنّ الخمر لشيوعها بهذا الحدّ تناسب فرضاً إسقائها الحيوانات فضلًا عن الإنسان .
وعلى هذا الأساس إذا حرم اللعب بآلة القمار لم يجز اللعب بآلة هي وسيلة القمار فعلًا وإن لم يكن كذلك سابقاً أو لاحقاً ؛ كما أنّه لا يقتضي هذا الدليل حرمة
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 58
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٥٨