عدي بن عمر بن الحارث بن طي الطايي المنبجي الشاعر ، شامي الأصل ، كان بمصر في
حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع ، ثم جالس الأدباء ، فأخذ عنهم وتعلم منهم ، وكان
فطنا فهما ، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر وأجاد ، وشاع ذكره وسار شعره ،
وبلغ المعتصم خبره فحمل إليه وهو بسر من رأى ، فعمل به أبو تمام قصائد عديدة ، وأجازه
المعتصم ، وقدمه على شعراء وقته ، وقدم بغداد وجالس الأدباء وعاشر العلماء ، وكان
موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس ، وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارا
مسندة ، ومن مليح شعره قوله :
فحواك دل على نجواك يا مذل * حتى م لا يتقضى قولك الخطل ( 1 )
فإن أسمج من تشكو إليه هوى * من كان أحسن شئ عنده العذل
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة * مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت أن لا ترى صبر القطين بها * فانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيره * دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
وحكي الصولي عن الحسين بن إسحاق قال : قلت للبحتري : الناس يزعمون أنك
أشعر من أبي تمام ؟ فقال : والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام ، ووالله ما أكلت الخبز
إلا به ، ولوددت أن الامر كما قالوا ، ولكنني والله تابع له ، لائذ به ، آخذ منه ، نسيمي يركد
عند هوائه ، وأرضي تنخفض عند سمائه ! وفي آخر عمره ولاه الحسن بن وهب بريد
الموصل ، وكانت له به عناية ، فأقام بها أقل من سنتين ، ومات بها في جمادى الأولى سنة
إحدى وثلاث ومائتين ، ودفن بها ، وكانت ولادته سنة تسعين ومائة . وقال الحسن بن وهب
يرثيه :
فجع القريض بخاتم الشعراء * وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معا فتجاورا في حفرة * وكذاك كانا قبل في الاحياء
ورثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات في حال وزارته :
نبأ أتى من أعظم الانباء * لما ألم مقلقل الأحشاء
قالوا : حبيب قد ثوى ، فأجبتهم : * ناشدتكم لا تجعلوه الطائي !
ونوح بن دراج الطايي ، كان قاضيا بالكوفة ، يروي عن العراقيين . روى عنه علي بن
هامش
( 1 ) المذل : مفشي السر . والقول الخطل : هو الفاسد . وفي " الديوان " ص 200 : " فحواك عين علي . . " .