إذا عرفت هذا فنقول :
قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة تارةً : يكون لأجل وقوع المكلّف في مشقّة زائدة ، كما إذا دلّ العامّ على حكم وجوبي والخاصّ على عدم ذلك الحكم في مورده ، فإنّ المولى إذا قال : « أكرم كلّ عالم » ثمّ قال - بعد قيام العبد بإكرام جميع العلماء - : « لا يجب عليك إكرام فسّاق العلماء » فإكرام الفسّاق منهم كان كلفة زائدة تحمّلها العبد لأجل تأخير البيان عن وقت الحاجة .
وأخرى : لأجل تفويت مصلحة لازمة الاستيفاء عن المكلّف ، أو إلقائه في مفسدة لازمة الاجتناب ، كما إذا دلّ العامّ على الجواز والخاصّ على الوجوب أو الحرمة « 1 » .
والحاصل : أنّه لا قبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة إلّامن جهة كونه مستلزماً لأحد هذه الأمور الثلاثة ، وليست هذه الأمور علّة تامّة للقبح ، بل تكون مقتضية له مؤثّرة فيه لو لم ينطبق عليها مصلحة أقوى كما في الشريعة المقدّسة .
ويشهد عليه « 2 » أوّلًا : نزول القرآن تدريجاً في ثلاث وعشرين سنة ، مع أنّ واجباته كانت مشتملة على المصلحة ومحرّماته على المفسدة من بداية الإسلام ، ففات عن مسلمي صدر الإسلام مصالح كثيرة لازمة الاستيفاء ووقعوا في مفاسد كثيرة لازمة الاجتناب ، لكنّهم حيث لم يستعدّوا في بداية
هامش
( 1 ) فإنّ المولى إذا قال : « يجوز إكرام كلّ عالم في شهر رمضان » واختار العبد جانب الترك لفات عنه مصلحة ملزمة سبعة أيّام لو قال المولى في اليوم السابع من رمضان : « يجب إكرام العلماء العدول في هذا الشهر » وإذا اختار جانب الفعل لوقع في مفسدة ملزمة لو قال : « يحرم إكرام العلماء الفسّاق في هذا الشهر » . م ح - ى .
( 2 ) أي على كون تأخير البيان عن وقت الحاجة مشتملًا على مصلحة أقوى في الشريعة . م ح - ى .