كلّ من الدليلين فكلّ واحد من العامّ والخاصّ حجّة برأسه ، ولا أساس لما أفاده هذا المحقّق الجليل رحمه الله .
فلابدّ من تركيز البحث على هذا المبنى الصحيح ، فنقول :
غاية ما يمكن أن يستدلّ به لإثبات جواز الرجوع إلى العامّ في المقام أنّ الخاصّ إنّما يزاحم العامّ فيما كان فعلًا حجّة ، ولا يكون حجّة فيما اشتبه أنّه من أفراده ، فخطاب « لا تكرم فسّاق العلماء » لا يكون دليلًا على حرمة إكرام من شكّ في فسقه من العلماء ، فلا يزاحم مثل « أكرم العلماء » ولا يعارضه ، فإنّه يكون من قبيل مزاحمة الحجّة بغير الحجّة .
والحقّ في جوابه ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله « 1 » ، وتوضيحه يحتاج إلىذكر معنى الحجّة وما يتمّ به الحجّيّة :
الحجّة عبارة عمّا يصلح لأن يحتجّ به المولى على العبد وبالعكس « 2 » ، وهذا يتوقّف على إحراز ثلاثة أمور مترتّبة :
أ - أصل الظهور ، بمعنى أن يكون اللفظ ظاهر المعنى ، لا مجملًا كاللفظ المشترك المستعمل من دون قرينة معيّنة .
ب - أصالة الظهور ، وهي أن يكون المتكلّم استعمل اللفظ في ذلك المعنى الذي له ظهور فيه ، ولا فرق في ذلك بين أن يستعمله في المعنى الحقيقي ، نحو « رأيت أسداً » أو المجازي ، نحو « رأيت أسداً يرمي » ، فإنّ أصالة الظهور كاشفة عن المراد الاستعمالي في كليهما ، غاية الأمر أنّ أصالة الظهور الجارية في المعنى الحقيقي تسمّى أصالة الحقيقة أيضاً ، كما أنّها في العمومات تسمّى أصالة
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 258 .
( 2 ) فتفسيرها بالمنجّزيّة والمعذّريّة كما فعل صاحب الكفاية رحمه الله تفسير بلازم المعنى . م ح - ى .