وقد كانت تلك القبائل العربية موجودة وساكنة في المدينة ، وقد تمثل هؤلاء اليهود في قبائلهم الثلاثة الرئيسية وهم بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو قينقاع ، وهذه القبائل هي أول من نزل المدينة من القبائل اليهودية ، ثم تلاهم قبائل أخرى ، حيث كان أول منزل لهم في موضع الغابة ( قريبا من يثرب ) فوجدوها وبيئة ، فكرهوا الإقامة فيها ، وبعثوا رائدا يلتمس لهم منزلا أفضل ، فاختار لهم منطقة العالية حيث الأرض الخصبة يرويها وادي « بطحان » ووادي « مهزور » ، فنزلت بنو النضير على بطحان ، ونزلت بنو قريظة على مهزور ، واختارت قينقاع موضعها في الوسط « 1 » ثم تمددوا وانتشروا على شكل قوس يشغل أخصب بقاع المنطقة وهكذا ولأول مرة استوطن اليهود يثرب التي كانت تفيض بالنعم والخيرات والأشجار والمزروعات .
وقد ذكر المؤرخون كثيرا من الروايات في سبب نزول اليهود بيثرب ولا أرى داعيا هنا إلى ذكرها . ثم انتشر اليهود في يثرب وبدأوا يسيطرون على المجتمع المدني اقتصاديا وسياسيا وفكريا ويخضعون القبائل العربية الموجودة لطاعتهم والعيش تحت سيطرتهم « 2 » .
ثم يذكر المؤرخون « 3 » قصة خروج الأوس والخزرج من ديارهم ونزولهم بالمدينة ، وقد اختلفوا في تاريخ خروجهم ، فقيل إنهم خرجوا قبل سيل العرم وخراب سد مأرب ، وقيل : بعده مباشرة ، ويقدر بعضهم أن خروجهم كان في أواخر القرن الرابع الميلادي . وفي هذه الأثناء كان المجتمع اليثربي في المدينة مقتصرا على القبائل العربية وما نزل عليهم من القبائل اليهودية مؤخرا .
وتعتبر هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب من أهم الأحداث وأكبرها في تاريخ يثرب ؛ لأنها كانت بداية للقضاء على اليهود في المدينة .
ويوضح لنا د . عبد الباسط بدر قصة وصول هاتين القبيلتين فيقول « 4 » :
( وصلت القبيلتان اليمنيتان إلى موقع يثرب فأعجبها ما رأتاه من أراض خصبة وينابيع وأشجار ونخل وزرع كريم ، وكانت المنطقة شاسعة لا تضيق بالقادمين الجدد ، ويبدو أن حاجة اليثربيين « عربا أو يهودا » آنذاك إلى مزيد من الأيدي العاملة لاستثمار الأراضي جعلتهم يقبلون حلول الأوس والخزرج على أطراف مزارعهم ، وجعلت الأوس والخزرج يقبلون العمل عند اليثربيين بالشروط التي تعرض عليهم ، وعاشوا ردحا من الزمن في جهد وضيق من العيش ليسوا
هامش
( 1 ) « المفصل » - جواد علي - ج 6 / ص 519 .
( 2 ) « المجتمع المدني في عصر النبوة » - د . العمري - ص 59 .
( 3 ) « التاريخ الشامل للمدينة المنورة » - د . عبد الباسط بدر - ص 59 .
( 4 ) « التاريخ الشامل للمدينة المنورة » - د . عبد الباسط بدر - ص 59 .