هى أيضا من الملكوت الأسفل ، و هى ناقصة الوجود ما دامت كذلك الّا أن يرتفع من هذا العالم و يتجّرد الى عالم الأشباح المجّردة بتبعيّة ارتقاء النفس الانسانيّة اليها » « 1 » .
« و قد عرفت من الطريقة الّتى سلكناها أنّ النفس تصير عين المعقولات و تتّحد بالعقل الفعّال ، و البرهان قائم عندنا على أنّ العقل البسيط كّل المعقولات فتكون ذاتيّة له و للنفس أن تتّحد بها « 2 » » .
« كشف و انارة : فالنفس عند ادراكها للمعقولات الكلّيّة تشاهد ذواتا نوريّة مجّردة لا بتجريد النفس ايّاها و انتزاع معقولها من محسوسها كما عليه جمهور الحكماء بل بانتقال و مسافرة يقع لها من المحسوس الى المتخيّل ثّم منه الى المعقول و ارتحال لها من الدنيا الى الاخرى ثّم الى ماورائها .
و فى قوله تعالى :
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
اشارة الى هذا المعنى أى تقّدم النشأة الاولى على النشأة الاخرى من جهة انتقال النفس من ادراك المحسوسات الى ماورائها ، فانّ معرفة امور الآخرة على الحقيقة فى معرفة امور الدنيا على أنّ مفهوميهما من جنس المضاف ، واحدى المضافين لا يعرف الّا مع الآخر ، و لهذا قيل : الدنيا مرآة الآخرة . و العارف بمشاهدة أحوال الانسان هيهنا يحكم بأحواله فى القيامة و منزلته عند اللّه يوم الآخرة .
و اعلم أن لهذه المسئلة على هذا الوجه الّذى أدركه الراسخون فى الحكمة مدخلا عظيما فى تحقيق المعادين الجسمانى و الروحانى و كثير من المقاصد الايمانيّة و لهذا بسطنا القول فيها فى الأسفار الأربعة بسطا كثيرا . ثمّ فى الحكمة المتعالية بسطا متوسّطا ، و اقتصرنا هيهنا على هذا القدر اذ فيه كفاية للمستبصر » « 3 » .
هامش
( 1 ) - « اسفار » ص 322 ، طرف 3 ، فصل 3 .
( 2 ) - « اسفار » ج 1 ، ص 319 ، طرف دوم ، مرحله دهم ، فصل 7 .
( 3 ) - « الشواهد الربوبية » طبع اول ، ص 33 ، و « اسفار » ج 1 ، ص 71 .