حساب تشريعاته توفير كل المكاسب الممكنة لحياة الإنسان ، ما عرف الإنسان
منها وما لم يعرف .
ومن الطبيعي للخالق عز وجل أن يقدر في أصل تكوين الإنسان وحياته
أنهما ينسجمان مع شريعته المقدسة سواء بتحقيق المكاسب الصحية والعقلية
والنفسية والاقتصادية والاجتماعية . وكافة المكاسب التي تسهم في إقامة حياة
الإنسان سعيدة هنا وتضمنها سعيدة في الجنة .
وفي مجال الجانب الوظيفي لليل والنهار ، كم يؤلمك أن ترى الحضارة
المادية المنكودة قد وصلت في مخالفة هذه الوظيفة إلى حد النقيض .
أول ما ترى ملايين العمال المستضعفين الذين لا تعطيهم الأنظمة الظالمة
فرصة لسد رمقهم ورمق عوائلهم إلا بأن يقلبوا ليلهم نهارا ونهارهم ليلا .
ثم ترى عادة استهلاك نصف الليل في كثير من الترف واللهو والفسوق ،
هذه العادة التي نشرتها الحضارة الجاهلية بثقافتها ووسائلها في أنحاء العالم ،
فجعلت أكثر الليل ظرفا لأنواع الفساد والإرهاق المدمر لأعصاب الناس
واقتصادهم .
إن توقيت الصلاة إذ يفرض على الناس أن ينهضوا مبكرين لأداء صلاة
الفجر ، يرفض أن يكون الليل أو قسم منه وقت عمل . فالليل فترة سكن
وجمام وعلى الإنسان أن ينال منه حاجة جسمه ونفسه ، إلا من اضطر غير باغ
ولا عاد ، ممن يحتاج المجتمع إلى عملهم في الليل .
إن الليل الإسلامي ليل هادئ سعيد ، وما أغنى الحياة عن كدح البائسين
الذين تسرق منهم الحضارة الظالمة فرصة العمل في نهارهم وتحرمهم في الليل
سكنهم وراحتهم ، ولو اكتفى الطامعون من الرأسماليين والشيوعيين وعدلوا في
توزيع الثروات التي وهبها الله لعباده لاستغنوا عن إرهاق ملايين المستضعفين
الكادحين في الليل وأعادوا إليهم حياتهم المقلوبة وراحتهم المسلوبة .
والليل الإسلامي ليل هادئ سعيد وليس ظرفا للصخب وإرهاق
الأعصاب وتبديد العقول كما هو ليل المسرفين . فكم في الحياة من أنواع
فلسفة الصلاة — صفحة 69
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٦٩