تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
السبب الأوّل لتبنّي هذا المثل الأعلى المنخفض .

2 - التسلّط الفرعوني :

والسبب الثاني لتبنّي هذا المثل الأعلى المنخفض : هو التسلّط الفرعوني على مرّ التاريخ . الفراعنة على مرّ التاريخ حينما يحتلّون مراكزهم يجدون في أيّ تطلّع إلى المستقبل ، وفي أيّ تجاوز للواقع الذي سيطروا عليه ، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزّاً لمراكزهم . من هنا ، من مصلحة فرعون على مرّ التاريخ ، أنْ يغمض عيون الناس على هذا الواقع ، أنْ يحوّل الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق ، إلى إله ، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه . يحاول أن يحبس وأن يضع كل الامّة في إطار نظرته هو ، في إطار وجوده هو لكي لا يمكن لهذه الامّة أن تفتّش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل ، من واقعه إلى طموح آخر أكبر من هذا الواقع . هنا السبب اجتماعي لا نفسي ، السبب خارجي لا داخلي . وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم :
« وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي »
« 1 » ،
« قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ »
« 2 »
.
هنا فرعون يقول : ما أريكم إلّاما أرى ، يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته ، في إطار نظرته . يحوّل هذه النظرة وهذا الواقع ، يحوّله إلى مطلق لا يمكن تجاوزه . هنا الذي يجعل المجتمع يتبنّى مثلًا أعلى مستمداً من الواقع هو التسلّط الفرعوني الذي يرى في تجاوز هذا المثل الأعلى خطراً عليه وعلى وجوده .
هامش
( 1 ) القصص : 38 ( 2 ) غافر : 29
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 ) — صفحة 124 | السيد محمد باقر الصدر