تصوّر بداية شيء دون ردّه إلى علّة « 1 » . وهذا يعني : أنّ الاستدلال العقلي على إثبات مبدأ العليّة عن طريق مبدأ [ عدم ] التناقض ، غير ممكن .
ويواصل ( هيوم ) تأكيده على أنّ علاقة العليّة في أيّة حالة من حالاتها لا يوجد لدينا علم قبلي مستقلّ عن الخبرة الحسيّة بها ، وإنّما نعلم بها على أساس الخبرة والتجربة ، فلو لم تكن العلّة قد مرّت في خبرتنا مقترنة بالمعلول ورأيناها لأوّل مرّة ، فلا يمكننا أن ندرك عقليّاً أنّها علّة لذلك المعلول الخاصّ .
وهنا يتحدّث ( هيوم ) عن ( آدم « 2 » ) فيقول : « إذا افترضنا كمال قدراته العقليّة ما كان ليستدلّ من سيولة الماء وشفافيّته أنّه يختنق لو غرق فيه ، أو يستدلّ من الضوء والدفء اللذين ينبعثان من النار أنّه يحترق لو وثب فيها » « 3 » .
ونلاحظ في موقف ( هيوم ) هذا الحاجة إلى التمييز بصورة جدّيّة بين مبدأ العليّة وعلاقات العليّة القائمة بين الأشياء ، ونريد بمبدأ العليّة المبدأ القائل : إنّ لكلّ حادثة سبباً ، ونريد بعلاقات العليّة العلاقة القائمة بين الحرارة والتمدّد ، أو بين الغليان والتبخّر ، أو بين أكل الخبز والشبع . فإنّ الاتجاه العقلي على الصعيد الفلسفي الذي يسبغ على العليّة طابعاً عقليّاً قبليّاً يريد بذلك : أنّ مبدأ العليّة من القضايا التي يدركها العقل بصورة قبليّة مستقلّة عن التجربة ، ولا يدّعي أنّ تلك
هامش
( 1 ) تأريخ الفلسفة الحديثة ، يوسف كرم : 198
( 2 ) المراد به آدم أبو البشر بوصفه نموذجاً عمّن لم يمرّ بأيّ تجربةٍ سابقة ( لجنة التحقيق )
( 3 ) ديفد هيوم ، للدكتور زكي نجيب محمود : 70 بتصرّف