ومن الواضح : أنّ التكامل - أو الحركة التطوّرية - لا يمكن أن يُفهم إلّاعلى هذا الأساس ، وأمّا تتابع ظواهر متعدّدة يوجد كلّ واحدة منها بعد الظاهرة السابقة ، وتفسح المجال بفنائها لظاهرة جديدة ، فليس هذا نموّاً وتكاملًا ، وبالتالي ليس حركة ، وإنّما هو لون من التغيّر العامّ .
فالحركة سير تدريجي للوجود ، وتطوّر للشيء في الدرجات التي تتّسع لها إمكاناته ؛ ولذلك حدّد المفهوم الفلسفي للحركة بأ نّها خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجياً « 1 » .
ويرتكز هذا التحديد على الفكرة التي قدّمناها عن الحركة ، فإنّ الحركة - كما عرفنا - ليست عبارة عن فناء الشيء فناءً مطلقاً ووجود شيء آخر جديد ، وإنّما هي تطوّر الشيء في درجات الوجود . فيجب - إذن - أن تحتوي كلّ حركة على وجود واحد مستمرّ منذ تنطلق إلى أن تتوقّف ، وهذا الوجود هو الذي يتحرّك ، بمعنى : أنّه يتدرّج ويثرى بصورة مستمرّة ، وكلّ درجة تعبّر عن مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد ، وهذه المراحل إنّما توجد بالحركة ، فالشيء المتحرّك أو الوجود المتطوّر لا يملكها قبل الحركة وإلّا لما وجدت حركة ، بل هو في لحظة الانطلاق يتمثّل لنا في قوىً وإمكانات ، وبالحركة تستنفذ تلك الإمكانات ، ويُستبدَل في كلّ درجة من درجات الحركة الإمكانُ بالواقع والقوّة بالفعليّة .
فالماء قبل وضعه على النار لا يملك من الحرارة المحسوسة إلّاإمكانها ، وهذا الإمكان الذي يملكه ليس إمكاناً لدرجة معيّنة من الحرارة ، بل هي بجميع درجاتها - التي تؤدّي إلى الحالة الغازية في النهاية - ممكنة للماء ، وحين يبدأ
هامش
( 1 ) القوّة : عبارة عن إمكان الشيء ، والفعل : عبارة عن وجوده حقيقة . ( المؤلّف قدس سره )