تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
التصديقي ، لمكان كشفه الذاتي ، سواء أكان العلم مصيباً في الواقع أم مخطئاً ، فإنّه علم وكشف على كلّ تقدير . الدليل الرابع - أنّ المعارف التصديقية إذا كانت قد تخطئ ، ولم يكن كشفها الذاتي يصونها عن ذلك ، فلماذا لا يجوز أن تكون جميع معارفنا التصديقية خطأً ؟ ! وكيف يمكننا أن نعتمد على الكشف الذاتي للعلم ما دام هذا الكشف صفة لازمة للعلم في موارد الخطأ والصواب على حدّ سواء ؟ ! وهذه المحاولة تختلف في هدفها عن المحاولة السابقة : ففي تلك المحاولة كانت تستهدف المثالية إلى اعتبار المعارف البشرية أشياء ذاتية لا تشقّ لنا الطريق إلى الواقع الموضوعي ، وقد أحبطنا تلك المحاولة بإيضاح ما للمعارف التصديقية من كشف ذاتي تمتاز به على التصوّر الخالص . وأمّا هذه المحاولة فهي تقصد إزالة المعارف التصديقية نهائياً من التفكير البشري ؛ لأنّها ما دامت قد تخطئ ، أو ما دام كشفها الذاتي لا يعني صحّتها دائماً ، فلماذا لا نشكّ فيها ونتخلّى عنها جميعاً ؟ ! ولا يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العالم الموضوعي . وبطبيعة الحال ، أنّ التفكير البشري لو لم يكن يملك عدّة معارف مضمونة الصحّة بصورة ضرورية ، لكان هذا الشكّ لازماً ولا مهرب عنه ، ولما أمكننا أن نعلم بحقيقةٍ مهما كانت ما دام هذا العلم لا يستند إلى ضمان ضروري ، وكان الخطأ محتملًا في كلّ مجال . ولكنّ الذي يقضي على هذا الشكّ هو المذهب العقلي - الذي درسناه في الجزء الأوّل من نظرية المعرفة ( المصدر الأساسي للمعرفة ) - فهو يقرّر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحّة لا يقع فيها الخطأ مطلقاً ، وإنّما يقع أحياناً في طريقة الاستنتاج منها . وعلى هذا تنقسم المعارف البشرية - كما سبق في تلك الدراسة - إلى معارف ضرورية مضمونة تتشكّل منها القاعدة الرئيسية للتفكير ، ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة ، وهي التي
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 148 | السيد محمد باقر الصدر