ولأجل هذا كنّا نستطيع أن نصف الظروف الواقعية التي نعرف فيها صدق الكلام أو كذبه ما دام هناك فرق في العالم الواقعي بين أن تصدق القضية وبين أن تكذب .
ولكن خذ إليك العبارة الفلسفية التي تقول : ( إنّ لكلّ شيء جوهراً غير معطياته الحسّية ، فللتفاحة - مثلًا - جوهر هو التفّاحة في ذاتها فوق ما نحسّه منها بالبصر واللمس والذوق ) فإنّك لن تجد فرقاً في الواقع الخارجي بين أن تصدق هذه العبارة أو تكذب ، بدليل أنّك إذا تصوّرت التفّاحة في حال وجود جوهر لها غير ما تدركه منها بحواسّك ، ثمّ تصوّرتها في حال عدم وجود هذا الجوهر لم ترَ فرقاً في الصورتين ؛ لأنّك سوف لن تجد في كلتا الصورتين إلّا المعطيات الحسّية من اللون والرائحة والنعومة . وما دمنا لم نجد في الصورة التي رسمناها لحال الصدق شيئاً يميّزها من الصورة التي رسمناها لحال الكذب ، فالعبارة الفلسفية المذكورة كلام بدون معنىً ؛ لأنّه لا يفيد خبراً عن العالم .
وكذلك الأمر في كلّ القضايا الفلسفية التي تعالج موضوعات ميتافيزيقية ؛ فإنّها ليست كلاماً مفهوماً ؛ لعدم توفّر الشرط الأساسي للكلام المفهوم فيها ، وهو :
إمكان وصف الظروف التي يعرف فيها صدق القضية أو كذبها ، ولذلك لا يصحّ أن توصف القضية الفلسفية بصدق أو كذب ؛ لأنّ الصدق والكذب من صفات الكلام المفهوم ، والقضية الفلسفية لا معنىً لها لكي تصدق أو تكذب .
ويمكننا تلخيص النعوت التي تضفيها المدرسة الوضعية على القضايا الفلسفية كما يلي :
1 - لا يمكن إثبات القضية الفلسفية ؛ لأنّها تعالج موضوعات خارجة عن حدود التجربة والخبرة الإنسانية .
2 - ولا يمكن أن نصف الظروف التي إن صحّت كانت القضية صادقة وإلّا فهي كاذبة ؛ إذ لا فرق في صورة الواقع بين أن تكذب القضية الفلسفية أو تصدق .
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 113
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص١١٣