بالنسبة للغزالي فلا بد أن نتذكر أيضاً أن دوره مقارنة بفخر الدين الرازي في تطبيق الطريقة الجديدة في علم الكلام كان ضئيلًا حسب ما نعرفه من كتب الغزالي الكلامية الموجودة ، مثل كتابي " الاقتصاد " " وإلجام العوام " . ويظهر من خلال كتاب الاقتصاد أنه كان يتحرك في إطار طريقة المتقدمين من علماء علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم في كثير من الاصطلاحات والمفاهيم والأدلة ؛ وأن المتكلمين تعرفوا من قبل عصر الغزالي والجويني على المنظومة الفلسفية الإسلامية وعلى آراء ابن سينا وغيرهم من الفلاسفة ، وهذه الحركة بدأت مع أبي الحسين البصري واقتراحاته الكلامية المستمدة من الفلاسفة ، وبطريقته في المزج بين الفلسفة وعلم الكلام كما شرحنا سابقاً .
إضافة إلى أن الغزالي كتب أيضاً في إطار الفلسفة ، أو أنه في كثير من كتبه تأثر بالفكر الفلسفي وبابن سينا ؛ وكذلك من جهة التعريف بآراء الفلاسفة مثل كتاب " مقاصد الفلاسفة " ، ولعل هذا كان بسبب تعلقه ببعض أفكارهم وخاصة في كتبه التي لا تزال مدار بحث ومناقشة حول مدى صحة انتسابها إليه . ولكن حركته في التعرف على الفلاسفة والاستفادة من نهجهم المنطقي واصطلاحاتهم ، فتح الباب على شرعنة الفلسفة عند السنة وإن خالفه الكثيرون من الأشاعرة وأهل السنة وأصحاب الحديث من السنة في هذا الاتجاه في ما بعد ؛ ولكن المنطق دخل معه في إطار التعليم المؤسساتي الديني إلى حدٍ ما وإن بشكلٍ بطيء ؛ ولذلك فتح الطريق أمام الأشاعرة لكي يتعلموا الفلسفة والمنطق . ولا يمكن أن ننسى فضل المتكلم والعالم الشهير محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ( المتوفى سنة 548 ه - ) في ذلك أيضاً من خلال كتبه الكلامية ، مثل " نهاية الأقدام في علم الكلام " الذي تناول فيه آراء الفلاسفة ، وردّ عليهم فيها وأيضاً من خلال كتاب الملل والنحل .
فمع النظرة الإيجابية للغزالي تجاه المنطق الأرسطي ، فإن الفقهاء والأصوليين السنة قبلوا ، وكما قلنا ، بالمنطق الأرسطي وبدأوا بتعلمه وتعليمه ، وقد تم هذا استناداً إلى ما سميناه عملية الشرعنة التي بدأها الغزالي بالنسبة إلى المنطق الأرسطي ، وكتبوا فيها في جانب اهتماماتهم بعلم أصول الفقه وأصول الدين ( علم الكلام ) وكذلك استفادوا منها في الفقه والأصول والعقائد . وكثر تدريجياً تدوين الكتب المنطقية من جانب الفقهاء السنة ومتكلميهم . ولكن بسبب الانتقاد الحادّ للغزالي للفلسفة ولابن سينا في كتابه تهافت الفلاسفة ، فإنهم وإن تعلموا المنطق ( وأحياناً الفلسفة أيضاً ) ، إلا أنهم كانوا ينتقدون الفلسفة عندما يرونها تخالف الرؤية الكلامية السنية ( الأشعرية أو الماتريدية ) ، وهكذا دخلوا في حوار نقدي مع الفلاسفة ؛ خاصة وأنّ مع الغزالي أمكن لمتكلمي أهل السنة أن يتعلموا الفلسفة ؛ لذا كانت تنتشر في خراسان والعراق ومصر انتشاراً واسعاً . ومع تعرّف المتكلمين الأشاعرة على الفلسفة وعلى كتب أبي علي ابن سينا أدرك المتكلمون عمق الاختلاف بين الاتجاه الفلسفي والاتجاه الأشعري ، وسرعان ما انتقلوا إلى الرد عليهم ؛ فلذلك فإنهم وإن تعلموا الفلسفة ، ومهروا فيها أحياناً ، فقد كانوا قلقين بالنسبة إلى عقائدهم الدينية والكلامية ، وإن تأثروا في المصطلحات والموضوعات والمفاهيم أو الاستدلالات بالعالم المصطلحي والمفهومي للفلاسفة ؛ فمثلًا في عصر فخر الدين الرازي وقبيل عصره تعلم بعض
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 913
مساهمون: نخبة من الأكاديميين
ص٩١٣