الفلسفة الإسلامية بين القدماء والمحدثين
مروان راشد
إنه لمن غير المعقول أن نتوخى عرض الفلسفة الإسلامية بكاملها في عشرين صفحة . إذ إنه من الأكيد أن موسوعة من عشرين مجلداً لا تكفي لذلك . لذا ارتأيت التركيز على ما أعتبره أساسياً في الإسهام بالمعنى العام الذي قدمته الفلسفة الإسلامية في إغناء تاريخ الفلسفة على المستوى العالمي . ويمكننا أن نطرح المشكلة على الشكل التالي : ما الذي تغير - فعلًا - في الفلسفة بين الإغريق عند نهاية العصر القديم ، وبين الأوروبيين في القرن السابع عشر ؟ ليس المقصود هو التساؤل حول أية أطروحة جديدة ، أو أية إجابة جديدة على مسألة معينة من المسائل القديمة ، التي حدث لها أن ظهرت في هذا الحقل الفلسفي أو ذاك . فالمقصود هو ، بالأحرى : ما الذي تغير - بالذات - في النهج الذي تقدم فيه الفلسفة نفسها بوصفها علماً مستقلًا ؟ الإجابة التي أود تقديمها هنا ، والتي يبدو لي أن صياغتها لم تتم بعد ، هي أن الفلاسفة الإسلاميين هم الأوائل الذين طوروا ، بطريقة منهجية ، فكرة علم كونيات نمطية - كوزمولوجيا -
( cosmologie modale ) .
إذ لا وجود ، في التقليد الفلسفي الإغريقي الوثني ، ل - " مبدأ أول " هو خالق على وجه الحقيقة ؛ فالمبدأ الأول الذي تكلم عنه أواخر الأفلاطونيين المحدثين ممن اطلع عليهم الفلاسفة العرب ، بشكل لا بأس به ، قد ألقي به إلى ما وراء الكينونات ، بهدف المحافظة على تعاليه ، إلى درجة بات معها موقعه بالذات كمبدأ ، إشكالياً ، بحيث انتهى إلى الالتحاق ، على مستوى الطرف الآخر ، في السلسلة الخاصة بالكائنات بما هي كائنات ( أي السلسلة الأونطولوجية ) ، بالعدم المحض . أما الفلاسفة العرب ، فإنهم يتفقون ، في المقابل ، مع اللاهوتيين المسيحيين في أواخر العصر القديم ، في طرح مسلمة حول مبدأ أول وخالق واحد . إن الفرق ، بالنسبة لهؤلاء اللاهوتيين ، يأتي من واقع أن الفلاسفة العرب هم ، تحديداً ، فلاسفة ، وبالتالي ، فإن مقاربتهم للمبدأ الأول ، هي تأملية أكثر بكثير ، وأقل دوغماتية بكثير ، مما هو الشأن عند آباء الكنيسة . وبكلام أكثر بساطة ، فإن الفلاسفة العرب هم أكثر قرباً إلى فلاسفة القرن السابع عشر الأوروبيين الذين يعطون ، هم أيضاً ، موقعاً لمبدأ أول هو الله كأساس لنظامهم الفلسفي ، أكثر مما هو الشأن عند اللاهوتيين المسيحيين في العصر القديم .
ومن ثم ، هنالك فرق أساسي بين الكوزمولوجيا اليونانية والكوزمولوجيا العربية . فاليونانية تضع