يمتنع أن يُحمل على دفن قاصد إياها هناك ، بل يخرج منها أحجار إذا كسرت كانت مشتملة على أصداف وودع وما يسمى آذان السمك ، إما باقية فيها على حالها ، وإما بالية قد تلاشت وبقي مكانها خلاء متشكلًا بشكلها ، كما يوجد مثله بباب الأبواب ( « 1 » ) على ساحل بحر الخزر ( « 2 » ) . ثم لا يذكر لذلك وقت معلوم ولا تأريخ البتة .
فإن العرب قاطنوه منذ أولهم يقطان ( « 3 » ) ، على أنه يمكن أن يكون سكناهم جبال اليمن وقت كون البادية بحراً . فهم العرب العاربة الأقدمون ، ولهم كانت العمارة بها من شاذروان ( « 4 » ) بين جبلين يرتفع عليه الماء إلى قلتيهما ، ويعمر جنتين عن يمين وشمال إلى أن غال به سيل العرم ، فسفل الماء وأبدلت الجنتان بجنتين أخريين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل ( سبأ : 16 ) .
ونحن نجد مثل هذه الحجارة التي يتوسطها آذان السمك في المفازة الرملية التي بين جرجان ( « 5 » ) وخوارزم ( « 6 » ) . فقد كانت كالبحيرة في ما مضى ، لأن مجرى جيحون أعني نهر بلخ ، كان عليها إلى بحر الخزر . . » .
ويستطرد البيروني في ذكر عدد من الأمثلة في بلاد خوارزم وجرجان ، ثم انتقل بعدها إلى الحديث عن مصر ناقلًا عن أرسطو أن مصر العليا كانت مغمورة بمياه النيل : « وهذه أرض مصر ، قد كان النيل ينبسط عليها - كما ذكر أرسطوطاليس في كتاب الآثار العلوية - فيطبقها كأنها بحر ، فلم يزل ينضب عنها وييبس ما علا منها أولا فأولا ويُسكن ، إلى أن امتلأت بالمدن والناس ، وإن جهلوا الآن مبدأ العمارة . وقد كانت أرض مصر تسمى في القديم ثيبا ( طيبة ) باسم مدينة من مدائنها العليا التي سكنت أولًا ، وهي غير مدينتها العظمى الآن المسماة ممفياس وهي منف ( « 7 » ) . . » .
ثانياً - كتب البيروني كتابه « في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة » بعد إقامته في ( غزنة ) من بلاد الهند ، وذلك لبيان آراء فلاسفة الهند وحكمائها في مختلف المعارف والعلوم . وقد اختص العلوم الجغرافية والفلكية بنصيب وافر في هذا الكتاب . وكان من أبرز النصوص التي وردت فيه حول ما يتعلق بموضوعنا هو تفسيره لأصل سهول الهند ، حيث يقول :
« وأرض الهند من تلك البراري يحيط بها من جنوبها بحرهم المذكور ( المحيط الهندي ) ومن سائر الجهات تلك الجبال الشوامخ ، وإليها مصاب مياهها ، بل لو تفكرت عند المشاهدة فيها وفي أحجارها المدملكة الموجودة إلى حيث يبلغ الحفر ، تجدها عظيمة بالقرب من الجبال وشدة جريان مياه الأنهار ، وأصغر عند التباعد وفتور الجري ، ورمالا عند الركود والاقتراب من المغايض والبحر ، لم تكَد تَصوّر أرضهم إلا بحراً في القديم وقد انكبس بحمولات السيول ( « 8 » ) .
ويبدو من النصين السابقين اعتماد البيروني على الدراسة الميدانية بصورة لا تقبل الجدل ، فقد اتخذ أدلته في النص الأول من المستحجرات البحرية أو نماذجها الداخلية التي توجد عند حفر الآبار في شمال الجزيرة العربية ، ومعلوم أن المنطقة المذكورة كانت مغمورة بمياه بحر قديم أطلق عليه الجيولوجيون اسم بحر تش أما النص الثاني فقد اتخذ أدلته من الإرسابات النهرية ، من حيث سمكها وشكلها وتدرج
هامش
( 1 ) هذه المدينة على الشاطئ الغربي لبحر قزوين وهي مدينة دربنت حالياً .
( 2 ) أي بحر قزوين .
( 3 ) هو ابن قحطان ، وقد اعتبره المؤرخون من العرب القدماء أبا قبائل اليمن .
( 4 ) كلمة فارسية معناها هنا « سد » .
( 5 ) كانت هذه المنطقة في القرون الوسطى على الشاطئ الجنوبي الشرقي لبحر قزوين .
( 6 ) كانت تقع هذه المنطقة في دلتا نهر جيحون ( آمودريا حالياً ) .
( 7 ) أثبتنا بعض النصوص الدالة على فكرة تبادل اليابس والماء من كتاب « تحديد نهايات الأماكن » اعتماداً على الطبعة التي نشرها معهد المخطوطات العربة بالقاهرة 1962 / 1995 م بتحقيق الدكتور ب بولجاكوف ( ص ص 41 - 49 ) .
( 8 ) البيروني ، أبو الريحان محمد بن أحمد : في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، حيدر أباد ، الهند 1958 م ، ص 157 .