الصنف الأوّل كان هناك ما يدعو المترجِم إلى الاستعانة بكلمة من اللغة العربيّة غير العلميّة ( والصعوبة الباقية تتعلّق بتعدّد الخيارات ) ؛ أمّا في الصنف الثاني فلم يكن اللجوء إلى هذه الاستعانة بمثل تلك البساطة .
إنّ التمييز بين هذين الصنفين من التعابير يسمح بوصف العمل المنجَز على صعيد تعريب المصطلحات العلميّة . فكلمات الصنف الأخير ، بالقسم الأكبر منها ، أُدخِلت كما هي في اللغة العربيّة ؛ مثالٌ على ذلك كلماتُ لوغاريتم ، وكيلوغرام وجرافومتر . أمّا كلمات الصنف الأوّل ، وهي الأكثر عدداً ، فقد تُرجِمت بكثافةٍ باستخدام الأصول المُتوفِّرة في اللغة العربيّة . على هذا الأساس استُخدِمت تعابير من اللغة المتداولة ، عندما بدا أنّ هذه التعابير ، تقيم مع المفهوم الذي يُعمَل على ترجمته ، العلاقات نفسها التي تقيمها التعابير الفرنسيّة المقابِلة . فكانت التعابير : " شغل " للتعبير عن
travail
، و " مقدار تخيّلي " للتعبير عن
valeur imaginaire
، أو " حصان بخاري " للتعبير عن
cheval - vapeur .
كما جرى استخدام بعض أشكال المصادر الموجودة ، عند تعريب بعض اشتقاقات التعابير الفرنسيّة مثل استخدام كلمة " تكامل " لتعريب كلمة
integrale .
وقد تشكّلت بعض الكلمات انطلاقاً من أصول لا تقيم سوى القليل من الصِلات مع أصول التعابير الفرنسيّة ، لكنّها أكثر اقتراباً ربّما ، من الفكرة التي يُعمَل على ترجمتها ؛ من هذه الكلمات كلمة " إحداثيّات " للتعبير عن الكلمة الفرنسيّة
coordonnees .
يوضح هذا المثال الأخير دور المترجِم ، في حالة محدّدة ، وهامش خياراته ، كما يوضح آليّة تثبيت المفردات . فخلال الترجمة الأولى في العام 1843 ، لكتيّبٍ في الهندسة التحليليّة ، تردّد أستاذ هذه المادّة في مدرسة المهندسين ، أحمد فايد ، في بداية مؤلَّفه بين كلمتي " محدثات " و " إحداثيات " ، ثمّ وقع اختياره نهائيّاً على التعبير الأخير الذي تبنّاه من حينه مجمل العالم العربي « 1 » .
فما هو المظهر العام للمفردات العلميّة البحتة ، عند نهاية حركة الترجمة في السنوات 1835 - 1854 ، وما هي بالخصوص حصّة الاستعارات من اللغات الأوروبيّة ؟ يمكننا أن نستنتج أنّ هذه الاستعارات نادرة الوجود . هي في الرياضيّات تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة : الحالة المذكورة سابقاً ، وهي تعبير " لوغاريتم "
logarithme
، وأسماء بعض المنحنيات مثل كلمة " سيكلوييد "
cyclo
ل
de .
ويكاد يكون الأمر كذلك فيما يخص علم الميكانيك ، حيث نجد كلمة " ميكانيك " نفسها ، وكلمتَي
pendule
و
inertie
، وأسماء وحدات القياس . والحالة مماثلة في علم الفلك والعلوم المائيّة . وإذا كان بمقدور بعض العلوم ، كالهندسة ، الاستفادة الكثيفة من المفردات التقليديّة العربيّة ، فإنّ الأمر لم يكن كذلك فيما يخص العلوم الأخرى ، كالميكانيك حيث صيغت مفرداتٌ كلّها جديدة تقريباً . لذلك كان ما جرى ، بشكل عام ، تعريباً كثيفاً للتعابير العلميّة .
هامش
( 1 ) - " مجموعة دروس التحليلات الهندسيّة بمدرسة المهندسخانه الخديويه " ، ترجمة أحمد فايد ، محترَف الطباعة على الحجر في المهندسخانه ، بولاق ، 1843 - 44 . المقصود هنا ترجمة ل - " مختصر دروس التحليل الهندسي " ل - جان - باتيست بِلانجيه( Jean - Baptiste Belanger )، وهو مخطوط بيد المؤلّف من المدرسة المركزيّة للفنون والصناعة في باريس ، أُلِّف للعام 1840 - 1841 .