ومدرسة بولاق للمهندسين ( " المهندسخانه " ) التي تولّى إدارتها من العام 1837 إلى العام 1850 شارل لامبرت
( Charles Lambert ) ( 1804 - 1864 )
، وهو من أتباع سان سيمون وخريج مدرسة ال - وليتِكنيك في باريس .
وقد تأسّست مدرسة الطب ، إلى جانب مشفى عسكري لأنّها خُصِّصت ، بالدرجة الأولى ، لتكوين ضبّاط صحّة ، مؤهّلين للاندماج في الخدمة الصحيّة للجيش . غير أنّ الأهداف المدنيّة للسياسة الصحيّة المعتمَدة من قِبَل كلوت بيه ، ما لبثت أن فرضت نفسها بسرعة ؛ فكان على مدرسة الطبّ أن تتصدّى للأوبئة كما كان عليها العناية ، بشكل عامّ ، بالعاملين المعنيين مباشرةً بمشاريع الباشا ، لا الجنود فحسب ، بل أيضاً تلاميذ المدارس والعاملين في المصانع والجماعات المدنيّة والريفيّة المرتبطة ، بطريقة أو بأخرى ، بالنشاطات الحكوميّة . لذا تأسّست في العام 1832 ، مدرسة للمساعِدات الطبيّات الإناث ، في محاولة لمجابهة العدد الكبير من الوفيّات بين الأولاد والنساء ، وخاصّة أثناء الوضع « 1 » . وقد أدّت حملة تلقيح واسعة تواصلت وتعمّمت على مجمل الأراضي في العام 1830 ، إلى تراجعٍ واضحٍ لمرض الجدري « 2 » . وفي العام 1837 تأسّس مشفى " القصر العيني " المدني . وعند رحيل كلوت بيه في العام 1849 ، كان ما أُقيم في مصر في مجال الطب ، قد أصبح بالفعل مصلحة وطنيّة للصحّة ، وإن بطريقة محدودة وغير كافية ، وبات هدف هذه المصلحة ، بشكل خاصّ ، مكافحة الأمراض الرئيسيّة المستوطنة في البلد ، وذلك عند كل فئات الشعب . وهكذا أُقيمت عيادات مجّانيّة في الأحياء الأكثر حرماناً من مدينتي القاهرة والإسكندريّة ؛ وتمّ تعيين طبيب في كل مقاطعة من مقاطعات الريف ، كما أُقيمت المشافي المدنيّة في مراكز المقاطعات « 3 » . هذا الأمر هو كما يلاحظ دانيال انزاك
Daniel Panzac
، " تغيير ملحوظ في دور الدولة التي باتت تتحمّل ، بطريقة جزئيّة ، مسؤوليّة حماية صحّة سكّان البلد " « 4 » .
أدخل تطبيق هذا البرنامج الصحّي إلى المجتمع المصري معارف وممارسات أدّت إلى إزاحة الطب التقليدي بشكل نهائيّ ؛ ذلك الطبّ الذي لم يسبق أن حصل التفكير الفعليّ فيه أو أن تنظّم ليلبّي الحاجات التي لبّاها الطب الحديث . وعلاوة على ذلك ، بدا الطب التقليدي ، في ذلك الحين متحجّراً بشكل هائل ؛ فقد كان في شكله العلمي يتمثّل بالطبيب " الحكيم " الذي يستمدّ الأساسي من معرفته ، من كتاب " القانون " لابن سينا أو من مؤلَّفات لاحقة ، مثل مؤلَّفات داود الإنطاكي . وكان تدريس هذا الطب متوقّفاً في الواقع ، وبقيت المحاولات النادرة التي بُذِلت لأدخال تطوّرات الطب الحديث في نصوصه وأدبيّاته حبراً على ورق « 5 » . مع ذلك ، استمرّت في الحياة بعض المعارف والممارسات العمليّة ، التقليديّة ، التي استطاعت طرائقها أن تنافس مثيلاتها الغربيّة ، إبّان الحملة الفرنسيّة ، في علاج التيفوس مثلًا « 6 » . غير أنّ تعمُّد محمّد
هامش
( 1 ) - حول هذه المدرسة ، أنظر كونكه ،Kuhnke , Lives at risk , pp . 122 - 133 .( 2 ) - انزاك ،Panzac ,"Medecine revolutionnaire", p . 106 .( 3 ) - راجع كونكه ،Kuhnke , Lives at risk , pp . 142 - 152 .( 4 ) - راجع انزاك ،Panzac ,"Medecine revolutionnaire", p . 107 .( 5 ) - راجع غران ،Gran ,"Medical pluralism", pp . 344 - 345 .( 6 ) - راجع سنبل ،Sonbol , Medical Profession , p . 9 .