ونضيف إلى ما سبق أن الإنسان بفطرته يطمح إلى ( التغيير ) ، أي تغيير الواقع الذي يعيشه إلى الأفضل باستمرار . من نوازعه الفطرية التي قد تخمد لديه أحياناً ، لكنها لن تنمحي من صفحة الذات ، وهو مجهز بإمكانات التعالي على الواقع والخلاص من ضغوطه وتصور الحالة الأفضل تصوراً إجمالياً - وربما كان تفصيلياً - ، ثم العمل على تغيير الواقع إلى الصورة المفترضة . وهذه حالة لا يتمتع بها أي مخلوق آخر . ومن هنا تنشأ عملية التغيير وتطبع الحياة الإنسانية بطابعها الحضاري ، دون غير الإنسان من الموجودات .
هكذا يمكن أن نقرر أن العملية الحضارية تحتاج في كل مراحلها إلى الايمان بالقيم الثابتة على النحو الآتي :
أولًا : في مرحلة إيمان الإنسان بذاته .
ثانياً : في مرحلة العبور إلى خارج الذات .
ثالثاً : في مرحلة صياغة الفكر وتكوين الصورة عن الحاضر والمستقبل انطلاقاً نحو التغيير إلى الأفضل .
رابعاً : في مرحلة نقل الفكرة إلى الآخرين واستلام أفكارهم .
خامساً : في مرحلة الاكتشاف والتقسيم والتمحيص والتداول .
سادساً : في مرحلة الاستنتاج والاقتناع .
سابعاً : في مرحلة التخطيط للتغيير .
وأخيراً : في مرحلة تنفيذ التغيير وتحقيقه .
وخلاصة الأمر :
أن هناك تلازماً تاماً بين المسيرة الحضارية الإنسانية التغييرية وعملية الحوار والإيمان بالقيم المشتركة والمطلقة .
القيم المشتركة مطلقة واقتضائية :
إستناداً إلى المقاربة التحليلة السالفة الذكر ، نؤكد على وجود منظومتين من القيم : أحداهما مطلقة التأثير ، لا تحدها حدود أو ظروف معينة ، والأخرى هي قيم الحالة الطبيعية ، أو ( قيم الأصل ) ، ما يعني تحولها إلى النقيض أو فقدانها التأثير المطلوب إذا طرأت ظروف أخرى .
ومن أمثلة المجموعة الأولى : قيمة العدالة ، فهي مطلوبة مهما كانت الظروف . وكذلك تقديم الشكر للمنعم المتفضل .
ومن أمثلة المنظومة الثانية :
حفظ الذات ، وحفظ الكرامة ، والتعاون ، والدفاع عن المستضعفين ، والسلام والأمن ، والتغيير إلى الأفضل ، والرحمة ، الايثار ، والأمانة .
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 508
مساهمون: نخبة من الأكاديميين
ص٥٠٨