تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
أما الجهل الساذج فهو جنوح إلى البدائية والبداوة والتكرارية الجمودية والانعزال والاسترخاء الزائف في القطيعة طلباً للأمن والحماية الذاتيين المتوهمين . فعندما يجهل المسلمون المشروع الحضاري الذي ينافس مشروعهم ، فهذا يعني أنهم سيكونون في غربة كاملة عن فكره وفلسفته وقيمه وأهدافه المتعددة ، أو عن تشكل نظرته إلى العالم ، وإلى الإنسان ، وإلى علاقات البشر وصيغ الحياة وشروط المعيش التي يراها الأصلح . ويعني أيضاً أنهم يجهلون إنسانه ونماذجه وصروحه المؤسسية والمنظومات التي اختارها لها ، وبالتالي يحكمون على أنفسهم بالعجز عن الاهتداء إلى منهجيات وديناميات مواجهته المركبة ، في حال المواجهة ، أو مسالمته في حال المسالمة ، أو مشاركته في حال قبوله مشاركتهم نديتهم . بذلك يكون المسلمون ، من حيث لا يدرون ( ولا يشاؤون ؟ ! ) ، قد أوقعوا أنفسهم في ذات الخطأ المنهجي الذي ارتكبه الغرب نفسه على مدى تاريخه في النظر إلى الإسلام والمسلمين ، جهلًا منه أو تجاهلًا ، مع فارق جوهري بالغ الأهمية والفاعلية هو : أن الغرب في معادلة التدافع بينه وبين المشروع الحضاري الإسلامي ، قد ارتقى إلى موقع الهجوم والقدرة على الإمساك بزمام المبادرة والفعل ، بينما ارتد المسلمون إلى موقع الدفاع وردة الفعل واستراتيجية البحث الدائم عن المخارج المنجية ( المسدودة أو المستحيلة ؟ ) . إن الاستسلام لهذا الجهل « الساذج » مفضٍ بأصحابه من جهة أخرى ، مهما حَسُنت نواياهم ، للتحول إلى أمة ذات بعد واحد مكتفية بذاتها ومكبلة بقيود نرجسية اصطفائية فيها من العُجْب الفرعوني ما يؤدي إلى مهالك . فأمة هذا ديدنها يتعطل فيها العقل والحس النقدي وحوافز الكشف والاكتشاف ، وتعطب قابليات النقد والنقد الذاتي والاستتابة ، ويُنفى وجود أية حقيقة خارج قبضة يمينها ، وتضيق فيها القدرة على وعي المتغيرات والتحولات . . أمة كهذه هي أمة " مستكبرة " ولكن من نمط غرائبي من الاستبكار التقوقعي ، فلا ترى الآخر إلا بمنظار السلب والعدمية مستريحة إلى الأحكام المسبقة والمبرمة فلا ترى ذاتها إلا في المعاندة والإرتهان لظاهر الماضي وأشكاله النوذجية ، ما صلح منها وما لم يصلح ، ولا تطمئن إلا بشعورها بالاستغناء وفي الهروب إلى الأمام ، أو في عصمة الذات والاعتصام بقوقعتها واحتكار المشروعية « 1 » . في كتابات معاصرة كثيفة قيل الكثير عن كون معرفة الآخر تخصيباً لمعرفة ( الأنا ) وإثراء لها « 2 » ، ونضيف إن الإشاحة عن الاغتناء بِعِبَرِ تجارب ما يقرب من ثلثي أهل الأرض شرقاً وغرباً والتكلس في جوانية الذات والاسترخاء في رحمها الدافئة التي خرجت منها أو جلعت عنها ، تعني نقضاً لمغزى وجود البشرية ولدلالات تنوعها الطبيعي وإِفراغاً لمفهوم الاستخلاف الإلهي للإنسان في هذا العالم من مضمونه الرسالي الذي قالت به الأديان السماوية ، وكسراً لنصاب التكامل بين البشر . وهذا الجهل البدوي العصبي إذا استطال ، فإنه يتحول إلى عُصابي حكماً يحقن الجماعة بوعي مضلل وزائف عن نفسها وعن الآخر ، فيوهن قواها ، ويجفف قابليات التطور فيها ، ويحبط إمكانيات
هامش
( 1 ) أنظر : حرب ، علي جريدة السفير ، بيروت 23 / 2 / 2006 . ( 2 ) راجع مثلًا كتاب حسن حنفي : « ماذا يعني علم الاستغراب ؟ » - ص . ص / 221 وما بعدها ، وص . ص / 66 - 67 . وانظر كتابنا أيضاً : « الصراع الحضاري والعلاقات الدولية » - ( م . س ) ص . ص / 97 وما بعدها .
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 462 | نخبة من الأكاديميين